تنتظر مئات الركاب في محطة قطار دار السلام، متراصين بين أمتعتهم، بينما تداعب نسمات الهواء الدافئة وجوههم. الانتظار هنا ليس مجرد مرور الوقت، بل هو جزء من تجربة السفر الفريدة على متن قطار “موكوبا إكسبرس”، الذي يربط بين تنزانيا وزامبيا عبر خط سكة حديد تاريخي. هذا الخط، المعروف باسم سكة حديد تازارا، يمثل شريان حياة للعديد من السكان المحليين ويعتبر وجهة مميزة للسياح الباحثين عن مغامرة مختلفة. ولكن، على الرغم من أهميته، يواجه هذا الخط تحديات كبيرة تهدد مستقبله.
تاريخ سكة حديد تازارا وأهميتها الإستراتيجية
تمتد سكة حديد تازارا على مسافة 1860 كيلومترًا (1156 ميلًا)، بدءًا من دار السلام، أكبر مدن تنزانيا، مرورًا بمناطقها الجنوبية الجبلية، وصولًا إلى مدينة كابيري مبوشي في زامبيا. فكرة إنشاء هذا الخط نشأت في فترة الستينيات، كجزء من جهود التحرر من الاستعمار في شرق أفريقيا، وتهدف إلى توفير وسيلة نقل مستقلة لزامبيا، التي كانت تعتمد بشكل كبير على خطوط السكك الحديدية التي تمر عبر دول جنوب أفريقيا. تم تمويل وبناء هذا المشروع بشكل أساسي من قبل الصين، مما يعكس قوة العلاقات الاقتصادية والسياسية بين الصين وهاتين الدولتين الأفريقيتين.
أكثر من مجرد وسيلة نقل
لطالما كانت سكة حديد تازارا تمثل أكثر من مجرد وسيلة نقل. بالنسبة للكثيرين من التنزانيين والزامبيين، هي شريان حيوي يربطهم بمناطق بعيدة يصعب الوصول إليها عبر الطرق البرية، مما يوفر لهم خيارًا أرخص وأكثر عملية للتنقل. كما أنها فرصة للتعرف على ثقافة وتقاليد الشعوب المختلفة التي يعبرها مسار القطار. بالنسبة للسياح، تقدم رحلة على متن تازارا تجربة فريدة من نوعها، حيث يمكنهم الاستمتاع بمناظر الطبيعة الخلابة والقرى الهادئة بعيدًا عن صخب المدن ووجهات السياحة التقليدية.
التحديات التي تواجه سكة حديد تازارا
على مر السنين، واجهت سكة حديد تازارا العديد من التحديات التي أثرت سلبًا على كفاءتها وموثوقيتها. عدم كفاية الاستثمارات في الصيانة والتجديد أدى إلى تدهور البنية التحتية، بما في ذلك المسارات والجسور والقاطرات وعربات الركاب. تأخيرات وأعطال القطارات باتت أمرًا شائعًا، وغالبًا ما يؤدي إلى إزعاج كبير للركاب وتأثير سلبي على حركة البضائع.
وفي الآونة الأخيرة، ازدادت المخاطر بشكل ملحوظ. ففي شهر أغسطس من العام الماضي، اضطرت السلطات إلى إلغاء رحلة بعد اصطدام القطار بجاموس أفريقي. وقبل ذلك، سجلت سلسلة من الحوادث الأكثر خطورة، بما في ذلك خروج قطارين عن مساريهما في تنزانيا وزامبيا، مما أسفر عن مقتل وإصابة العديد من الأشخاص. هذه الحوادث سلطت الضوء بشكل صارخ على الحاجة الماسة لتجديد شامل للخط وتحسين إجراءات السلامة. هذا التدهور أثر على حركة نقل البضائع بشكل كبير.
حوادث مؤسفة وتأثيرها على الخدمة
في أبريل 2025، لقي سائقان مصرعهما عندما خرجت قاطرتان عن مسارهما بالقرب من جسر في جنوب تنزانيا. بعد شهرين، شهدت زامبيا خروج قطار آخر عن مساره، وخلال محاولة إنقاذ الفريق، اصطدم قطار الإنقاذ بالقطار المعطل، مما تسبب في وفاة موظف وإصابة 19 راكبًا وعشرة آخرين. هذه الحوادث المتتالية أدت إلى تعليق خدمة الركاب لفترة وجيزة بسبب “تحديات تشغيلية غير متوقعة” وقيود في عدد القاطرات الصالحة للعمل، بعد أن تضررت الجسور بسبب الحرائق.
استثمارات صينية واعدة لمستقبل تازارا
لحسن الحظ، هناك بصيص أمل في الأفق. فقد تعهدت شركة الصين للهندسة المدنية والإنشاءات (CCECC) باستثمار 1.4 مليار دولار على مدى السنوات الثلاث المقبلة لتجديد خط سكة حديد تازارا القديم. سيتم تخصيص الجزء الأكبر من هذا المبلغ لإصلاح المسارات والجسور، بينما سيتم استخدام 400 مليون دولار لشراء 32 قاطرة جديدة و762 عربة، مما سيزيد بشكل كبير من قدرة النقل.
شراكة طويلة الأمد
بموجب هذا الاتفاق، ستحصل الشركة الصينية على امتياز لمدة 30 عامًا لتشغيل سكة حديد تازارا واسترداد استثماراتها قبل إعادة إدارة الخط إلى السلطات التنزانية والزامبية. يتوقع أن تساهم هذه الاستثمارات في تحسين كفاءة وموثوقية القطار، وتقليل التأخيرات والحوادث، واستعادة مكانته كخيار نقل مفضل للمسافرين والشركات على حد سواء.
مستقبل سكة حديد تازارا: آمال وتحديات
إن تجديد سكة حديد تازارا يمثل فرصة حقيقية لتعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية في تنزانيا وزامبيا. ومع ذلك، لا تزال هناك تحديات يجب التغلب عليها، بما في ذلك ضمان إدارة فعالة ومستدامة للخط، وتحسين إجراءات السلامة، وتوفير التدريب اللازم للعاملين.
من المرجح أن يستمر سكة حديد تازارا في لعب دور حيوي في ربط المجتمعات النائية وتسهيل حركة التجارة والسياحة في شرق أفريقيا. ومع الاستثمارات الجديدة والشراكة القوية مع الصين، يمكن أن يعود هذا الخط التاريخي إلى سابق عهده ويصبح نموذجًا للتعاون والتنمية المستدامة.



