أكدت وكالة التصنيف الائتماني “فيتش” مؤخرًا متانة الاقتصاد السعودي وقدرته على النمو المستدام، مما يعزز الثقة في مستقبل المملكة. هذا التأكيد يأتي في وقت تشهد فيه المملكة تحولات هيكلية كبيرة ضمن إطار رؤية 2030 الطموحة، ويضعها في موقع قوي على الساحة الاقتصادية العالمية. التقرير يركز بشكل خاص على قوة المركز المالي الخارجي للمملكة، واستدامة المالية العامة، والتقدم الملحوظ في تنويع مصادر الدخل.
تقييم “فيتش” للاقتصاد السعودي: نظرة شاملة
قدمت وكالة “فيتش” تقييمًا إيجابيًا شاملًا للاقتصاد السعودي، معتبرةً إياه من بين الاقتصادات الناشئة الأكثر صلابة. لم يقتصر التقييم على الوضع الحالي فحسب، بل امتد ليشمل التوقعات المستقبلية، مع التركيز على العوامل التي تدعم النمو على المدى المتوسط. هذا التقييم يعكس الجهود الحثيثة التي تبذلها الحكومة السعودية لتحقيق الاستقرار الاقتصادي والتنويع.
قوة المركز المالي الخارجي للمملكة
أحد أبرز النقاط التي سلطها تقرير “فيتش” هو قوة المركز المالي الخارجي للمملكة. فقد أوضحت الوكالة أن الاحتياطيات الأجنبية للمملكة كافية لتغطية حوالي 11.6 شهرًا من المدفوعات الخارجية المتوقعة في عام 2026. هذا المستوى من الاحتياطيات يوفر للمملكة حاجزًا قويًا ضد الصدمات الخارجية ويضمن قدرتها على الوفاء بالتزاماتها المالية.
بالإضافة إلى ذلك، أشارت “فيتش” إلى أن صافي الأصول الأجنبية للمملكة بلغ 41.2% من الناتج المحلي الإجمالي في نهاية عام 2026، وهو رقم يتجاوز بكثير متوسط الدول المماثلة الذي يبلغ 3.6% فقط. هذا الفارق الكبير يعكس قوة الوضع الخارجي للمملكة وقدرتها على إدارة مواردها المالية بكفاءة. الاستثمار الأجنبي المباشر يلعب دورًا متزايد الأهمية في تعزيز هذا المركز المالي.
استدامة المالية العامة وانضباط الإنفاق
لم تخفِ “فيتش” إعجابها باستدامة المالية العامة في المملكة، والتي تعزى إلى الانضباط المالي وإدارة الدين الفعالة. وتوقعت الوكالة أن يبلغ الدين الحكومي 36% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2026، وهو مستوى أقل بكثير من متوسط الدول المصنفة عند فئة A، والذي يبلغ 56%.
هذا الانخفاض في نسبة الدين العام يعكس التزام الحكومة السعودية بتحقيق التوازن المالي وتجنب تراكم الديون. كما يشير إلى قدرة المملكة على تمويل مشاريعها التنموية من خلال مصادر متنوعة، بما في ذلك الإيرادات غير النفطية. التحول الاقتصادي هو المحرك الرئيسي لهذا الانضباط المالي.
النمو الاقتصادي والتنويع: رؤية 2030 في العمل
تتوقع وكالة “فيتش” أن يشهد الاقتصاد السعودي نموًا بنسبة 4.8% في عام 2026، بعد نمو متوقع بنسبة 4.6% في عام 2025. هذا النمو المتوقع مدفوع بشكل أساسي بتوسع الأنشطة غير النفطية، والتي تشمل قطاعات مثل السياحة، والصناعة، والخدمات.
دور القطاع الخاص في تحقيق النمو
تؤكد “فيتش” على أهمية دور القطاع الخاص في تحقيق النمو الاقتصادي المستدام في المملكة. فقد أشارت الوكالة إلى أن الإصلاحات الاقتصادية التي تنفذها الحكومة تهدف إلى تهيئة بيئة جاذبة للاستثمار الخاص وتشجيع ريادة الأعمال.
متانة القطاع المصرفي
يتمتع القطاع المصرفي السعودي بصلابة عالية، وهو ما يساهم في تعزيز استقرار النظام المالي وقدرته على دعم النمو الاقتصادي. فقد أشارت “فيتش” إلى أن نسبة كفاية رأس المال في البنوك السعودية تصل إلى 20%، وهي نسبة مرتفعة مقارنة بالمعايير الدولية.
بالإضافة إلى ذلك، انخفضت نسبة القروض المتعثرة إلى أدنى مستوياتها التاريخية، حيث بلغت حوالي 1.1% من إجمالي القروض. هذا الانخفاض يعكس جودة إدارة المخاطر في البنوك السعودية وقدرتها على التعامل مع التحديات الاقتصادية. القطاع المالي يعتبر ركيزة أساسية في دعم التنمية الاقتصادية.
مستقبل الاقتصاد السعودي: آفاق واعدة
بشكل عام، يرى تقرير “فيتش” أن الاقتصاد السعودي يتمتع بآفاق واعدة، مدعومة بالإصلاحات الهيكلية المستمرة، وقوة المركز المالي الخارجي، واستدامة المالية العامة. هذه العوامل مجتمعةً تجعل المملكة وجهة جذابة للمستثمرين وتساهم في تعزيز مكانتها كقوة اقتصادية إقليمية وعالمية.
الاستمرار في تنفيذ رؤية 2030، مع التركيز على تنويع مصادر الدخل وتعزيز دور القطاع الخاص، سيكون أمرًا حاسمًا للحفاظ على هذا الزخم وتحقيق النمو المستدام على المدى الطويل. من المتوقع أن تستمر المملكة في جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، مما سيساهم في خلق فرص عمل جديدة وتحسين مستوى المعيشة.
في الختام، يمثل تقييم “فيتش” للاقتصاد السعودي دفعة قوية للثقة في مستقبل المملكة، ويؤكد على أهمية مواصلة الجهود لتحقيق أهداف رؤية 2030 الطموحة. ندعوكم لمتابعة آخر التطورات الاقتصادية في المملكة، والتفاعل مع هذا المحتوى من خلال مشاركة آرائكم وتعليقاتكم.



