في ظل التحديات الاقتصادية المتزايدة التي تواجهها إيران، وخاصةً مع استمرار تراجع قيمة الريال الإيراني وارتفاع معدلات التضخم، أعلنت السلطات الإيرانية عن تعيين عبد الناصر همتي حاكمًا جديدًا لمصرف إيران المركزي. يأتي هذا التعيين في توقيت حرج، تزامنًا مع تصاعد الضغوط المعيشية، والقلق المتزايد في الأسواق، والاحتجاجات التي بدأت في طهران وامتدت إلى محافظات أخرى. هذا التحول في القيادة يثير تساؤلات حول مستقبل الاقتصاد الإيراني، وما إذا كان تغيير الحاكم سيؤدي إلى تحسن ملموس في الأوضاع.

تحديات تواجه الاقتصاد الإيراني وتعيين همتي

يشهد الاقتصاد الإيراني ضغوطًا هائلة ناتجة عن عدة عوامل متشابكة. العوامل الرئيسية تشمل العقوبات الاقتصادية الدولية، والتي أدت إلى تقييد الوصول إلى الأسواق العالمية وتقليص حجم الصادرات النفطية، وهو المصدر الرئيسي للدخل القومي. بالإضافة إلى ذلك، ساهمت السياسات الداخلية، مثل تعدد أسعار الصرف وبعض الممارسات الفاسدة، في تفاقم الأوضاع. النتيجة المباشرة هي تدهور قيمة الريال الإيراني وارتفاع حاد في معدلات التضخم، مما أثر بشكل كبير على القوة الشرائية للمواطنين.

في أول تصريحات له، أكد عبد الناصر همتي أن ضبط التضخم سيكون الأولوية القصوى للبنك المركزي. تعهد بمعالجة الخلل في النظام المصرفي “بحزم” وأبدى تفاؤله بأن المواطنين سيلمسون تحسنًا في الأوضاع الاقتصادية خلال الأيام القادمة.

أسباب تدهور الريال الإيراني ورؤية همتي

يربط همتي التوترات الحالية في سوق الصرف بعدة عوامل داخلية، أبرزها تعدد أسعار الصرف، والريع (الاستغلال غير المشروع للموارد)، والفساد، والمضاربة. هذه العوامل، وفقًا لرأيه، أضعفت الثقة بالعملة الوطنية وأسهمت في تسارع وتيرة تدهورها.

من بين الخطوات التي يخطط لها البنك المركزي، الإلغاء التدريجي للعملة التفضيلية والعمل على توحيد سعر الصرف. تهدف هذه الخطة إلى تقليل الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الحرة، والحد من فرص المضاربة، وبالتالي استعادة الاستقرار النقدي. بالإضافة إلى ذلك، سيقوم البنك المركزي بتشديد الرقابة على النظام المصرفي وضبط السيولة، مع دعم سوق الأوراق المالية بشكل متوازٍ. ويرى همتي أن هذه الإجراءات ستساعد في تنظيم تدفق السيولة وتخفيف الضغط على سوق العملات الأجنبية.

هل تغيير الحاكم كافٍ؟ تقييمات الخبراء

يثير تعيين حاكم جديد للبنك المركزي تساؤلاً هاماً: هل تغيير القيادة وحده كافٍ لإحداث تحول جذري في المسار الاقتصادي لإيران؟ العديد من الخبراء يشككون في ذلك.

أحد أبرز هذه الأصوات هو أستاذ الاقتصاد بيمان مولوي، الذي يرى أن تغيير رئيس البنك المركزي لا يشكل حلًا للأزمة الاقتصادية بشكل مستقل. ويؤكد أن المشكلات المتراكمة لا يمكن حلها بمجرد تغيير رأس الإدارة النقدية. ويوضح مولوي أن أي تحسن حقيقي يتطلب معالجة أساسية لمؤشرين هما: ترتيب إيران المتدني على مؤشر الحرية الاقتصادية، وحماية وضوح حقوق الملكية، وخاصةً فيما يتعلق بالعملة الصعبة. تحسين الحرية الاقتصادية، بحسب مولوي، هو شرط ضروري لأي نجاح اقتصادي، فهو يرتبط ارتباطًا وثيقًا بحجم تدخل الدولة، وقوة العملة، والسياسات النقدية، والقوانين، والتنظيمات، وحرية التجارة الخارجية.

تقلبات أسعار الصرف والضغوط التضخمية

تأتي هذه النقاشات في وقت تشهد فيه الأسواق الإيرانية تقلبات حادة في سعر الصرف، وهو ما يؤثر سلبًا على حركة السوق والقدرة على التخطيط لدى التجار والمنتجين. هذه التقلبات صاحبتها احتجاجات محدودة في بعض القطاعات، تعبيرًا عن القلق من ارتفاع الأسعار وتدهور الأوضاع المعيشية.

يشير أستاذ الاقتصاد مرتضى أفقه إلى أن التحولات الاقتصادية الحالية كانت “طبيعية ومتوقعة” نظرًا للسنوات الطويلة من العقوبات وتراجع احتياطيات النقد الأجنبي وانخفاض الموارد الحكومية. ويؤكد أن جوهر الأزمة لا يكمن فقط في ارتفاع سعر الدولار مقابل الريال الإيراني، بل في عدم استقراره. فالتقلبات السعرية أكثر إرباكًا من الارتفاع بحد ذاته، حيث أن غياب اليقين يعيق التخطيط لدى المنتجين ويثير القلق لدى المستهلكين.

ويُشدد أفقه على أن تغيير رئيس البنك المركزي لن يؤدي بالضرورة إلى تحول ملموس في الوضع القائم، وأن أي تأثير محتمل سيبقى محدودًا ما لم يتم التعامل مع العوامل الأوسع نطاقًا، وعلى رأسها العقوبات، وشح الموارد، والتوترات السياسية.

مرحلة اختبار للسياسة النقدية الجديدة

بدأ عبد الناصر همتي مهامه، وتترقب الأسواق الإيرانية الخطوات العملية التي سيقدم عليها البنك المركزي. سيكون من الضروري مراقبة ما إذا كانت السياسات المعلنة ستترجم إلى تحسن ملموس في استقرار الريال الإيراني ومستويات الأسعار.

تشير البيانات الرسمية إلى أن الاقتصاد الإيراني يعاني من ضغوط تضخمية قوية. بلغ معدل التضخم السنوي 42.2% في نهاية ديسمبر 2025، مقارنة بالعام السابق. كما ارتفع التضخم النقدي إلى حوالي 52.6% خلال نفس الفترة. وفيما يتعلق بـ سعر الصرف، فقد سجل الريال الإيراني مستويات تاريخية متدنية مقابل الدولار الأمريكي، حيث وصل سعر الدولار الواحد إلى حوالي 1.44 مليون ريال في السوق الحرة في أواخر ديسمبر 2025.

وفي مبادرة موازية، دعا الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان الحكومة إلى الاستماع إلى “المطالب المشروعة” للمتظاهرين وإجراء حوار مع ممثليهم، وذلك في محاولة لمعالجة مشكلات ارتفاع الأسعار وتراجع قيمة العملة الوطنية. وأكد على أن الحكومة قد تتخذ قرارات جديدة لتحسين الوضع الاقتصادي، داعيًا إلى التضامن بدلًا من الاحتجاجات. كما أشار إلى أن إجراءات لإصلاح النظامين النقدي والمصرفي قد أُدرجت على جدول الأعمال الحكومي.

باختصار، يمثل تعيين عبد الناصر همتي حاكمًا جديدًا للبنك المركزي خطوة مهمة في محاولة إيران للتصدي لأزمتها الاقتصادية. ومع ذلك، فإن نجاح هذه الخطوة يعتمد إلى حد كبير على قدرة الحكومة على معالجة العوامل الأساسية التي تؤثر على الاقتصاد، مثل العقوبات، وشح الموارد، وتحسين بيئة الأعمال، واستعادة الثقة في العملة الوطنية. الوضع الراهن يمثل مرحلة اختبار حقيقية للسياسة النقدية الجديدة، وسيتطلب جهودًا مكثفة وتنسيقًا بين مختلف الجهات المعنية لتحقيق الاستقرار الاقتصادي المنشود.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version