أثار المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية، فاتح بيرول، تحذيرات مقلقة بشأن مستقبل أسعار النفط وتأثيرها على الاقتصاد العالمي، خاصةً في أوروبا. هذه التحذيرات تأتي في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، وتحديداً مع استمرار إغلاق مضيق هرمز وتعطيل إمدادات النفط. يخشى الخبراء من أن هذه الأزمة قد تكون الأكبر من نوعها في تاريخ أسواق الطاقة.
تدهور إمدادات النفط وتأثيره على الاقتصاد الأوروبي
حذر بيرول من أن الوضع سيتفاقم بشكل ملحوظ في شهر أبريل، حيث ستتضاعف خسائر الإمدادات النفطية مقارنة بشهر مارس. هذا بالإضافة إلى الخسائر المتزايدة في إمدادات الغاز الطبيعي المسال. الوضع الحالي يهدد بتصعيد التضخم وإبطاء النمو الاقتصادي في العديد من الدول.
وقد انعكس هذا القلق بالفعل على أسواق النفط، حيث شهد خام برنت وخام غرب تكساس الوسيط الأمريكي انخفاضًا ملحوظًا في الأسعار خلال تعاملات الأربعاء. سجل خام برنت 101.81 دولارًا للبرميل، بينما انخفض خام غرب تكساس الوسيط إلى 99.52 دولارًا للبرميل وقت كتابة هذا التقرير.
خسائر فادحة في الإمدادات
تشير التقديرات إلى أن أكثر من 12 مليون برميل نفط قد فُقدت منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران في نهاية فبراير. تعزى هذه الخسائر إلى الهجمات التي تستهدف أصول الطاقة في المنطقة، بالإضافة إلى القيود المفروضة على حركة الشحن عبر مضيق هرمز الحيوي.
الأمر المقلق هو أن جزءًا كبيرًا من شحنات النفط والغاز التي وصلت في مارس كان متعاقدًا عليه قبل اندلاع الحرب، مما يعني أن التأثير الحقيقي للأزمة سيظهر بوضوح أكبر في أبريل.
أزمة وقود الطائرات والديزل تلوح في الأفق
لا يقتصر تأثير الأزمة على خام النفط والغاز الطبيعي المسال، بل يمتد ليشمل وقود الطائرات والديزل. بدأت بالفعل أزمة نقص في وقود الطائرات في آسيا، ومن المتوقع أن تمتد هذه الأزمة إلى أوروبا خلال شهري أبريل ومايو.
تشير التقارير إلى أن حوالي 40 منشأة طاقة رئيسية في الشرق الأوسط قد تضررت منذ بداية الحرب، وأن إعادة تشغيل هذه المنشآت سيستغرق وقتًا طويلاً. يصف بيرول الوضع بأنه اضطراب “كبير جدًا” قد يكون الأكبر في تاريخ أسواق الطاقة.
تقلبات الأسعار وتوقعات بإنهاء الصراع
شهدت أسعار النفط تقلبات حادة خلال الأيام الأخيرة، حيث بددت مكاسبها السابقة في ظل حالة الضبابية المحيطة بالأوضاع في الشرق الأوسط. أدت الإشارات المتجددة من الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى أن الحرب على إيران قد تنتهي قريبًا إلى انخفاض في الأسعار.
ومع ذلك، حذرت مجموعة “آي.إن.جي” من أن إعادة فتح المضيق، حتى في حال حدوثها، لن تعني عودة فورية للإمدادات. فإنهاء تكدس السفن واستعادة الإنتاج والتصدير وتدفقات الغاز الطبيعي المسال إلى مستوياتها الطبيعية سيستغرق وقتًا.
تخفيضات أوبك وتأثيرها على الإنتاج
أظهر استطلاع أجرته رويترز أن إنتاج النفط في منظمة أوبك انخفض بمقدار 7.5 ملايين برميل يوميًا في مارس مقارنة بالشهر السابق. يعكس هذا الانخفاض أثر التخفيضات القسرية في الصادرات بسبب إغلاق المضيق.
بالتوازي مع ذلك، أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية انخفاضًا كبيرًا في إنتاج النفط الخام في الولايات المتحدة خلال شهر يناير، بسبب عاصفة شتوية شديدة أدت إلى توقف الإنتاج في مناطق واسعة من البلاد. كما تشير التقديرات إلى أن السعودية قد ترفع أسعار البيع الرسمية لخامها إلى آسيا في مايو إلى مستويات قياسية، مما يجعل نفط الشرق الأوسط الأغلى في العالم.
مستقبل أسعار النفط: سيناريوهات محتملة
على الرغم من التوقعات بإنهاء الصراع، يرى المحللون أن نهاية الحرب لا تعني بالضرورة انحسار أزمة الإمدادات بسرعة. الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية قد تبقي النقص قائماً لفترة أطول.
بالإضافة إلى ذلك، فإن محدودية التقدم الدبلوماسي المستمر، واستمرار الهجمات البحرية والتهديدات الصريحة لأصول الطاقة، تبقي مخاطر الإمدادات مائلة نحو الارتفاع. لذلك، من المرجح أن تظل أسعار النفط متقلبة في الفترة القادمة، مع احتمال استمرارها في الارتفاع إذا استمرت التوترات في المنطقة.
الوضع يتطلب مراقبة دقيقة وتنسيقًا دوليًا للحد من تأثير الأزمة على الاقتصاد العالمي، وضمان استقرار أسعار الطاقة للمستهلكين والشركات على حد سواء. كما أن البحث عن مصادر بديلة للطاقة وتنويعها يمثل ضرورة استراتيجية لتقليل الاعتماد على منطقة الشرق الأوسط.



