في السنوات الأخيرة، اكتسب الاهتمام بالتغذية الصحية ودورها في الوقاية من الأمراض وعلاجها زخماً كبيراً. ومع التركيز المتزايد على الصحة الشاملة، بدأت الأبحاث في استكشاف العلاقة المعقدة بين الأمعاء والعديد من الحالات الصحية، بما في ذلك سرطان البروستاتا. أظهرت دراسة حديثة، نشرت نتائجها في مجلة “علم الأورام البولية الأوروبية”، أن اتباع نظام غذائي مُدعم بمكملات نباتية محددة والبروبيوتيك قد يبطئ تطور المؤشرات الحيوية المرتبطة بهذا المرض لدى الرجال المصابين بحالات منخفضة الخطورة. هذه النتائج تقدم أملاً جديداً للمرضى، وتفتح الباب أمام استراتيجيات علاجية تكميلية.

العلاقة بين صحة الأمعاء وسرطان البروستاتا: اكتشاف مُبشِّر

لطالما اعتقد الباحثون أن صحة الأمعاء تلعب دوراً هاماً في الصحة العامة، ولكن العلاقة بين صحة الأمعاء والبروستاتا تحديداً بدأت في جذب انتباههم مؤخراً. يعتقد العلماء أن الميكروبيوم المعوي – مجتمع البكتيريا والكائنات الحية الأخرى التي تعيش في الأمعاء – يمكن أن يؤثر على الالتهابات، والاستجابة المناعية، وحتى نمو الخلايا السرطانية.

بناءً على ذلك، قام فريق دولي من الباحثين بقيادة البروفيسور روبرت توماس من جامعة “بيدفوردشير”، بالتعاون مع مؤسسات طبية وأبحاثية مرموقة في المملكة المتحدة والولايات المتحدة وأستراليا، بدراسة تأثير تعزيز النظام الغذائي بمواد كيميائية نباتية (Phytonutrients) وبكتيريا نافعة من نوع لاكتوباسيلوس (Lactobacillus) على الرجال المصابين بسرطان البروستاتا منخفض الخطورة.

تصميم الدراسة: مكمّلات غذائية وبروبيوتيك في خدمة العلاج

شارك في الدراسة 212 رجلاً مصاباً بسرطان البروستاتا منخفض الخطورة، وتم تقسيمهم إلى مجموعتين رئيسيتين:

  • المجموعة الأولى: تلقت مكملًا غذائيًا يحتوي على البروكلي والكركم والرمان والشاي الأخضر والزنجبيل والتوت البري، بالإضافة إلى دواء وهمي.
  • المجموعة الثانية: تلقت نفس المكمل الغذائي، ولكن مع إضافة البروبيوتيك المُعدّة خصيصاً لهذه الغاية.

تمت متابعة المرضى لمدة أربعة أشهر، مع التركيز على قياس مستويات مستضد البروستاتا النوعي (PSA) في الدم، وإجراء فحوصات التصوير بالرنين المغناطيسي لمراقبة تطور المرض. يُعتبر PSA مؤشراً حيوياً هاماً، حيث أن ارتفاع مستوياته قد يشير إلى نمو السرطان.

المكونات النشطة في المكمل الغذائي ودورها المحتمل

يحتوي المكمل الغذائي الذي استخدم في الدراسة على مجموعة متنوعة من المركبات النباتية المعروفة بخصائصها المضادة للالتهابات والمضادة للأكسدة. على سبيل المثال:

  • البروكلي: غني بالسلفورافان، وهو مركب قد يساعد في إبطاء نمو الخلايا السرطانية.
  • الكركم: يحتوي على الكركمين، وهو مضاد قوي للالتهابات.
  • الرمان: مصدر جيد لمضادات الأكسدة التي تحمي الخلايا من التلف.
  • الشاي الأخضر: يحتوي على البوليفينول، والتي لها خصائص مضادة للسرطان.

تضاف إلى هذه المركبات قوة البروبيوتيك، التي تعمل على تحسين توازن البكتيريا في الأمعاء، وتعزيز صحة الجهاز الهضمي، وتقوية جهاز المناعة.

نتائج الدراسة: تباطؤ ملحوظ في تطور المرض

أظهرت النتائج المنشورة في مجلة “علم الأورام البولية الأوروبية” تباطؤاً ملحوظاً في تطور مستضد البروستاتا النوعي لدى المجموعتين اللتين تناولتا المكملات الغذائية. ومع ذلك، كانت النتائج أكثر تقدماً في المجموعة التي تلقت المكملات مع البروبيوتيك:

  • مجموعة (المكمل + الدواء الوهمي): حافظ 82% منهم على استقرار حالتهم، بينما تفاقمت الحالة لدى 18%.
  • مجموعة (المكمل + البروبيوتيك): حافظ 85.5% منهم على حالة مستقرة، وشهد 6.7% تراجعاً (تحسناً) في المرض، بينما لم يشهد سوى 7.8% تقدماً في حالتهم.

بالإضافة إلى ذلك، لاحظ الباحثون انخفاضاً واضحاً في مؤشرات الالتهاب في الدم لدى المجموعة التي تناولت البروبيوتيك، وتحسناً في أعراض الجهاز البولي لدى حوالي ربع المشاركين، بالإضافة إلى تحسن عام في القوة البدنية والنشاط. هذه النتائج تشير إلى الفوائد الصحية المتعددة لهذا النهج الغذائي الجديد.

بديل آمن وواعد للجراحة: ثقة أكبر في المراقبة الطبية

تكمن أهمية هذه الدراسة في أنها تقدم للمرضى سبباً قوياً للاطمئنان لمبدأ “المراقبة الطبية” بدلاً من التسرع نحو الجراحة. ففي كثير من الحالات، يفضل المرضى المصابون بسرطان البروستاتا منخفض الخطورة في البداية مراقبة تطور المرض، ولكن الخوف من تفاقمه غالباً ما يدفعهم إلى تغيير رأيهم واللجوء إلى التدخل الجراحي في وقت مبكر.

هذا النظام الغذائي يعمل كـ”صمام أمان” يبطئ تطور المرض، مما يمنح المرضى الثقة للاستمرار في المراقبة وتجنب الآثار الجانبية المحتملة للجراحة أو العلاجات الإشعاعية. ويؤكد الدكتور جيفري ألدوس، من جامعة “بيدفوردشير”، أن هذه النتائج تعزز فهمنا لكيفية تأثير الإستراتيجيات الغذائية على الميكروبيوم المعوي لتحسين جودة حياة المرضى.

الخطوات التالية: دراسات أطول لتأكيد النتائج

على الرغم من أن هذه الدراسة واعدة، إلا أن الباحثين يقرون بأن مدتها القصيرة تشكل قيداً. لذلك، يخططون لإجراء دراسات متابعة أطول أمداً للتأكد من قدرة هذه المكملات على تقليل الحاجة إلى الجراحة أو العلاج الإشعاعي على المدى الطويل. إضافة إلى ذلك، يمكن إجراء المزيد من الأبحاث لاستكشاف التركيبات المثالية من المواد الكيميائية النباتية والبروبيوتيك لتحقيق أقصى فائدة علاجية.

في الختام، تقدم هذه الدراسة دليلاً جديداً على الدور المحتمل للتغذية في إدارة سرطان البروستاتا منخفض الخطورة. من خلال التركيز على تحسين صحة الأمعاء وتعزيز الاستجابة المناعية، يمكن لهذا النهج الغذائي أن يمنح المرضى خيارات علاجية أكثر أماناً وفعالية، ويحسن نوعية حياتهم بشكل عام. ينصح دائماً باستشارة الطبيب قبل البدء بأي نظام غذائي جديد، خاصة إذا كنت تعاني من حالة صحية معينة.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version