في قلب مدينة القدس المحتلة، وعلى الرغم من التحديات الجمة، يواصل مستشفى مار يوسف (الفرنسي) تقديم خدماته الطبية والإنسانية للفلسطينيين. هذا المستشفى، الذي يمثل صرحًا صحيًا هامًا، يقع في حي الشيخ جراح الاستراتيجي، ويعد ثاني مستشفى فلسطيني في المدينة. تأسس عام 1956، ويواجه اليوم صعوبات مالية ولوجستية كبيرة، ولكنه يظل ملتزمًا برسالته في توفير الرعاية الصحية الشاملة. تتناول هذه المقالة قصة مستشفى مار يوسف في القدس، وبعض التحديات التي تواجهه، ورؤيته المستقبلية، مع التركيز على أهمية الدعم العربي لضمان استمراره.

نشأة وتطور مستشفى مار يوسف

مستشفى مار يوسف في القدس له جذور عميقة تعود إلى راهبات “مار يوسف الظهور” اللاتي أسسن أول مستشفى تابع لهن في فلسطين عام 1850 بالقرب من باب الجديد في القدس القديمة. بعد نكبة عام 1948 واحتلال الجزء الغربي من المدينة، ومع غياب الخدمات الطبية في الجزء الشرقي، قررت الراهبات تأسيس مستشفى جديد في حي الشيخ جراح عام 1953. افتُتح المستشفى رسميًا عام 1956، واستمر المبنى القديم “سانت لويس” في تقديم خدمات الرعاية التلطيفية للمرضى الذين يعانون من أمراض مزمنة مثل السرطان أو حالات إعاقة حركية.

من 73 سريرًا إلى مركز طبي متكامل

في بداية عمله، ضم المستشفى 73 سريرا موزعة على أقسام الولادة، والباطني، والجراحة، بالإضافة إلى غرف العمليات والمختبر والأشعة. لكن نقطة التحول الحقيقية كانت في عام 2014، مع افتتاح مبنى جديد للولادة والطوارئ بفضل تبرعات سخية، كان أبرزها دعم من أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني. هذا التوسع سمح بزيادة عدد الأسرة إلى 155 سريرا وتوسيع نطاق الخدمات الجراحية والباطنية المقدمة. حاليًا، يقدم المستشفى خدمات في قسم الولادة (26 سريرا)، والطوارئ (22 سريرا)، بالإضافة إلى خدمات ما بعد الولادة، ورعاية الأطفال الخدج، وعلاج الأمراض الباطنية، ووحدة غسيل الكلى الحديثة.

الولادة في الماء: تجربة رائدة

يتميز مستشفى مار يوسف في القدس بتقديم خدمة الولادة في الماء منذ عام 2016، وهي تجربة فريدة من نوعها في المنطقة. تم تدريب الكوادر الطبية المتخصصة على أيدي خبيرة عالمية في هذا المجال. وقد حظيت هذه الخدمة بشعبية كبيرة بين النساء من مختلف الأديان والخلفيات، بل وتجاوزت حدود القدس لتجذب المرضى من مناطق أخرى. لاحقًا، قام المستشفى بتنظيم دورات تدريبية للقابلات من مستشفيي هداسا في القدس ورمبام في حيفا، وتبنت هذه المستشفيات الإسرائيلية خدمة الولادة في الماء بعد ذلك.

مشروع التوسع الطموح: نحو مستشفى أكاديمي

في ديسمبر 2023، وعلى هامش منتدى الدوحة، وقع المستشفى اتفاقية مهمة مع صندوق قطر للتنمية والوكالة الفرنسية للتنمية لدعم خطة تحويله إلى مؤسسة طبية أكاديمية. تصل مساهمة الصندوق القطري إلى 6 ملايين و950 ألف دولار. يشمل هذا المشروع بناء وتجهيز طابق جديد للمواقف بسعة 250 سيارة، بالإضافة إلى إضافة طابق كامل مخصص لفحوصات الرنين المغناطيسي، وتحديث قسم العمليات الجراحية القائم.

إضافة 20 ألف متر مربع و 145 سريرًا

يهدف المشروع إلى زيادة عدد أسرة المستشفى من 155 سريرًا إلى 300 سريرًا، مما يجعله أكبر مشروع صحي في القدس الشرقية منذ عام 1967. ستضيف المرحلة الجديدة 20 ألف متر مربع من المساحات المخصصة لتقديم الخدمات الطبية المتنوعة. والأهم من ذلك، سيتعاون المستشفى مع جامعة القدس لتدريب طلاب الطب والتمريض والمختبرات، مما يعزز دوره الأكاديمي والبحثي ويساهم في تطوير الكفاءات الطبية الفلسطينية. الرعاية الصحية في القدس ستشهد بذلك نقلة نوعية.

التحديات التي تواجه المستشفى

على الرغم من أهميته، يواجه المستشفى الفرنسي في القدس تحديات كبيرة بسبب السياسات الإسرائيلية. تتعامل صناديق المرضى الإسرائيلية بشكل مختلف مع المستشفيات في القدس الشرقية، حيث يتم تغطية تكاليف العلاج بنسبة أقل (50٪) مقارنة بالمستشفيات في القدس الغربية. هذا الأمر يؤدي إلى عجز كبير في الميزانية، ويضع ضغوطًا مالية إضافية على المستشفى. بالإضافة إلى ذلك، يواجه المستشفى صعوبات في الحصول على الموافقات والتصاريح اللازمة لتطوير خدماته.

الدعم العربي وأهميته

يؤكد مدير عام المستشفى، جميل كوسا، على أهمية الدعم العربي لمؤسسات القدس الفلسطينية لضمان استمرارها في تقديم الخدمات الإنسانية والطبية. الدعم القطري، على وجه الخصوص، لعب دورًا حاسمًا في تطوير المستشفى وتحسين قدراته. وفي ظل التحديات المتزايدة، يصبح هذا الدعم أكثر أهمية للحفاظ على وجود مستشفى مار يوسف وتعزيز دوره في خدمة المجتمع الفلسطيني. إن استمرار هذا الدعم هو استثمار في مستقبل القدس وفلسطين و في ضمان حصول الفلسطينيين على حقهم في خدمات طبية عالية الجودة.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version