تتصاعد التوترات في إيران مع استمرار الاحتجاجات التي انطلقت في أواخر ديسمبر، وتترافق مع عنف متزايد وقمع من السلطات، بالإضافة إلى قيود غير مسبوقة على الوصول إلى الإنترنت. حيث تتوالى التقارير عن سقوط قتلى واعتقالات، بينما تتصاعد التهديدات المتبادلة بين طهران وواشنطن وتل أبيب. هذه الأزمة الإيرانية، التي تتشابك فيها المطالب الاقتصادية والسياسية، تضع المنطقة على شفا مواجهة جديدة.
تطورات الاحتجاجات وأعداد الضحايا المتزايدة
تواصل إيران شهدًا موجة من الاحتجاجات بدأت بسبب الأوضاع المعيشية الصعبة وارتفاع الأسعار، وتطورت لاحقًا لتشمل شعارات مناوئة للحكومة والمطالبة بالتغيير. أفادت وكالة تسنيم شبه الرسمية بمقتل 109 من قوات الأمن والشرطة خلال هذه الاحتجاجات، وهو رقم يثير القلق البالغ. في المقابل، أشارت منظمة “نتبلوكس” غير الحكومية إلى ارتفاع حصيلة القتلى إلى أكثر من 116 شخصًا، بالإضافة إلى أكثر من 2600 معتقل، مؤكدةً أن “حجب الإنترنت لا يزال ساريا في إيران” منذ الخميس الماضي، وهو ما يعيق بشكل كبير وصول المعلومات إلى الخارج وتوثيق الأحداث.
وتشير التقارير إلى وقوع اشتباكات عنيفة في عدة مدن إيرانية، بما في ذلك أصفهان ومشهد وكرمانشاه وأراك وبابل، بالإضافة إلى تجمعات متفرقة في العاصمة طهران. التلفزيون الإيراني الرسمي ذكر أن 30 عنصرًا من قوات الأمن والشرطة قتلوا في محافظة أصفهان، بينما كشف قائد القوات الخاصة في الشرطة الإيرانية عن مقتل 8 عناصر آخرين خلال أيام الجمعة والخميس الماضيين. كما تم الإعلان عن اعتقال حوالي 100 من “مثيري الشغب” في محافظة لرستان.
حجب الإنترنت وتداعياته على الأمن القومي
أحد أبرز ملامح هذه الأزمة هو الحظر الشامل للإنترنت الذي فرضته السلطات الإيرانية منذ الخميس الماضي. منظمة “نتبلوكس” أكدت استمرار هذا الحظر، مشيرةً إلى أنه تجاوز الستين ساعة، واصفة إياه بأنه “إجراء رقابة يشكل تهديدا مباشرا لأمن الإيرانيين وجودة حياتهم”. هذا الحجب للإنترنت يعزل إيران عن العالم الخارجي، ويصعب عملية توثيق الأحداث، بالإضافة إلى إعاقة التواصل بين المواطنين.
يعكس هذا الإجراء محاولة من السلطات للسيطرة على المعلومات وتقييد حرية التعبير، ومنع تنسيق الاحتجاجات. ومع ذلك، يعتبره الكثيرون بمثابة اعتراف بفشل الحكومة في التعامل مع الأزمة، وتقويضًا لحقوق الإنسان الأساسية. وبدلًا من تهدئة الوضع، يبدو أن حجب الإنترنت قد ساهم في تأجيج الغضب الشعبي وتصعيد الاحتجاجات.
التصعيد الخارجي والتهديدات المتبادلة
لم تقتصر تداعيات الأزمة الإيرانية على الجانب الداخلي، بل امتدت لتشمل تصعيدًا خطيرًا على الساحة الخارجية. رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، حذر من أن الجيش الأمريكي وإسرائيل سيصبحان “أهدافا مشروعة” في حال تعرضت إيران لهجوم أمريكي، وذلك ردًا على التهديدات التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. تعتبر هذه التصريحات الأولى من نوعها التي تدرج إسرائيل صراحةً ضمن قائمة الأهداف المحتملة لأي ضربة إيرانية.
وفي سياق متصل، اتهم الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان واشنطن بالعمل على التحريض وإثارة الفوضى في إيران، مؤكدًا أن الشعب الإيراني يدعم بلاده ونظامه. في المقابل، أبدى الرئيس ترامب دعمه للمتظاهرين، واصفًا إياهم بأنهم يتوقون إلى الحرية.
تخطيط أمريكي لضربات محتملة؟
تفيد تقارير صحفية أمريكية بأن إدارة ترامب ناقشت سيناريوهات مختلفة لشن هجوم على إيران، تنفيذًا لتهديدات الرئيس الأمريكي. أوضحت صحيفة “وول ستريت جورنال” أن المسؤولين الأمريكيين حددوا أهدافًا محتملة داخل إيران، بما في ذلك مواقع عسكرية. وذكرت الصحيفة أن هذه المحادثات جارية ضمن التخطيط الاعتيادي، ولا يوجد حتى الآن ما يشير إلى هجوم وشيك، لكنها تعكس مستوى التوتر المرتفع.
دوافع الاحتجاجات ووجهات النظر المختلفة
يرى محللون أن الاحتجاجات الإيرانية تنطلق من عاملين رئيسيين: الاستياء الداخلي من الأوضاع الاقتصادية المتردية، والدور الخارجي الذي يتجلى في تصريحات ودعم القوى المعادية للنظام الإيراني. أستاذ العلوم السياسية في جامعة طهران، حسن أحمديان، يوضح أن هناك مطالب شعبية مشروعة نابعة من استياء واسع بين الإيرانيين، بينما يرى في الدور الخارجي محاولة “مصطنعة” لتأجيج المواجهات.
تعتمد الحكومة الإيرانية على مسارين في التعامل مع الأزمة: مسار اقتصادي يسعى لتحسين الأوضاع المعيشية، ومسار أمني يهدف إلى قمع الاحتجاجات. ويرى البعض أن هذا النهج قد حقق بعض النجاح في تراجع المشاركة الشعبية في المظاهرات، بينما ينتقده آخرون لعدم معالجته الأسباب الجذرية للازمة.
في الختام، تظل الاحتجاجات في إيران تشكل تحديًا كبيرًا للحكومة الإيرانية، وتثير قلقًا دوليًا متزايدًا. مع استمرار القيود على الإنترنت والتصعيد الخارجي، تزداد المخاوف بشأن احتمال تحول الأزمة إلى مواجهة أوسع نطاقًا. يتطلب الوضع تحليلاً دقيقًا للمشهد الإيراني وفهمًا عميقًا للدوافع والأهداف التي تقف وراء هذه التطورات، بالإضافة إلى إيجاد حلول سياسية واقتصادية تراعي مصالح جميع الأطراف المعنية. (مواجهة عنف، أزمة اقتصادية، تدخل خارجي) هي كلمات مفتاحية مرتبطة بشكل وثيق بهذا الحدث.



