في أعقاب تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الأخيرة، يشهد العراق توتراً سياسياً متصاعداً، خاصةً مع ترشيح نوري المالكي لرئاسة الحكومة المقبلة. هذا التطور دفع تحالف “الإطار التنسيقي” إلى عقد اجتماع طارئ لمناقشة الموقف، وتقييم تأثير هذه التدخلات الخارجية على العملية السياسية في البلاد. يركز هذا المقال على تفاصيل هذه الأحداث، وتحليل دوافع ترمب، وتداعياتها المحتملة على مستقبل العراق، مع التركيز على المالكي ورئاسة الوزراء العراقية.
اجتماع الإطار التنسيقي وتصريحات ترمب
عقد تحالف “الإطار التنسيقي”، أكبر تحالف سياسي شيعي في العراق، اجتماعاً طارئاً مساء الأربعاء، وذلك بعد مطالبة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بغداد بعدم تكليف نوري المالكي بتشكيل الحكومة الجديدة. الاجتماع، الذي عُقد في مكتب رئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي، يهدف إلى بحث رد فعل التحالف على تصريحات ترمب، ووضع استراتيجية للتعامل مع هذا الموقف غير المسبوق.
وكالة “شفق نيوز” العراقية نقلت عن مصدر في الإطار أن قيادة التحالف وجهت دعوة عاجلة لأعضائها لحضور الاجتماع، مؤكدةً أهمية التباحث حول موقف واشنطن الأخير. لم يصدر حتى الآن أي تعليق رسمي من الإطار التنسيقي أو الحكومة العراقية على تصريحات ترمب، مما يزيد من حالة الغموض والترقب.
دوافع ترمب وتهديدات ضمنية
أتى تصريح ترمب عبر منصة “تروث سوشيال” مساء الثلاثاء، حيث أعرب عن قلقه من إمكانية إعادة انتخاب نوري المالكي رئيساً للوزراء. واصفاً فترة حكم المالكي السابقة بأنها أدت إلى “الفقر والفوضى”، هدد ترمب بأن الولايات المتحدة لن تقدم أي مساعدة للعراق في حال انتخابه مرة أخرى.
هذه التصريحات تثير تساؤلات حول الدوافع الحقيقية وراء تدخل ترمب في الشأن العراقي. يعتقد البعض أن ترمب يسعى إلى التأثير على تشكيلة الحكومة العراقية المقبلة، لضمان توافقها مع المصالح الأمريكية في المنطقة. ويرى آخرون أن هذه التصريحات تأتي في سياق التوتر المتصاعد بين الولايات المتحدة وإيران، حيث يُنظر إلى المالكي على أنه شخصية مقربة من طهران. العلاقات العراقية الأمريكية تشهد تقلبات مستمرة، وهذا التدخل يضيف طبقة جديدة من التعقيد.
فترة حكم المالكي السابقة والتحديات
تولى نوري المالكي رئاسة الوزراء لدورتين متتاليتين بين عامي 2006 و 2014. شهدت فترة حكمه تحديات أمنية كبيرة، خاصةً مع صعود تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وسيطرته على مساحات واسعة من البلاد. على الرغم من إعلان بغداد النصر على داعش عام 2017، إلا أن فترة حكم المالكي لا تزال مثيرة للجدل، حيث يرى البعض أنها شهدت تفاقم الطائفية وتدهور الأوضاع الاقتصادية.
النفوذ الإيراني والتصعيد الإقليمي
يعتبر نوري المالكي شخصية مقربة من إيران، وهو ما يثير قلق واشنطن في ظل التوتر المتزايد بين البلدين. تتصاعد حدة التهديدات الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران، في حين تؤكد طهران استعدادها لـ”رد شامل وسريع” في حال تعرضها لأي عدوان.
في يونيو/حزيران الماضي، شنت إسرائيل بدعم أمريكي هجوماً على إيران دام 12 يوماً، قبل إعلان واشنطن وقف إطلاق النار. وفي هذا السياق، رفعت فصائل عراقية، بينها منظمة بدر وكتائب حزب الله، سقف جاهزيتها، مؤكدة تأييدها الكامل لإيران في مواجهة أي هجوم أمريكي محتمل. هذا الدعم العراقي لإيران يضع العراق في موقف صعب، ويجعله عرضة للانتقادات والضغوط من قبل الولايات المتحدة وحلفائها. الأمن الإقليمي يتأثر بشكل كبير بالوضع في العراق.
تداعيات محتملة ومستقبل العملية السياسية
تصريحات ترمب والردود عليها قد تؤدي إلى تفاقم الأزمة السياسية في العراق. قد يؤدي الضغط الأمريكي إلى إضعاف موقف نوري المالكي، أو حتى دفعه إلى الانسحاب من الترشح لرئاسة الوزراء. في المقابل، قد يؤدي الإصرار على ترشيح المالكي إلى توتر العلاقات مع الولايات المتحدة، وتقويض الدعم الأمريكي للعراق.
من المهم أن تتصرف الأطراف العراقية بحكمة وروية، وأن تسعى إلى إيجاد حلول سياسية تحافظ على استقرار البلاد، وتحمي مصالحها العليا. يجب على الحكومة العراقية أن تحافظ على حيادها في الصراع الإقليمي، وأن تركز على بناء علاقات جيدة مع جميع الدول المعنية. مستقبل العملية السياسية في العراق يعتمد على قدرة الأطراف المختلفة على التوصل إلى توافق وطني، وتجاوز الخلافات السياسية.
في الختام، يواجه العراق تحدياً سياسياً كبيراً في ظل تصريحات ترمب الأخيرة. يتطلب هذا الوضع حكمة ودبلوماسية من جميع الأطراف المعنية، لضمان استقرار البلاد، وحماية مصالحها العليا. نأمل أن يتمكن العراق من تجاوز هذه الأزمة، والمضي قدماً نحو مستقبل أفضل. ندعو القراء إلى متابعة التطورات الجارية، والمشاركة في الحوار البناء حول مستقبل العراق.


