في خضم التحولات الأمنية والميدانية التي تشهدها مدينة حلب السورية، تبرز شبكة الأنفاق التي خلفتها قوات سوريا الديمقراطية (قسد) كأحد أكثر الملفات تعقيدًا في مرحلة ما بعد الاشتباكات. هذه الأنفاق، التي كشفت عنها معاينة الجزيرة في حي الشيخ مقصود، ليست مجرد تحصينات عسكرية، بل هي دليل على استراتيجية معقدة تهدف إلى البقاء والتخفي، وتشكل تحديًا كبيرًا لعملية استعادة الاستقرار في المدينة. هذا المقال سيتناول تفاصيل هذه شبكة أنفاق حلب، المخاطر التي تنطوي عليها، وتداعياتها على مستقبل المدينة وأهلها.
اكتشاف شبكة أنفاق قسد في حلب: نظرة عن قرب
بدأت الحياة تعود تدريجيًا إلى حيي الأشرفية والشيخ مقصود في حلب، لكن اكتشاف هذه الأنفاق يلقي بظلاله على هذه العودة. مراسل الجزيرة، صهيب الخلف، دخل أحد هذه الأنفاق، الذي يبدأ من مكان يبدو مدنيًا تمامًا – غرفة خرسانية غير مكتملة تشبه محلًا تجاريًا مهجورًا. في أرضية الغرفة، توجد فتحة مربعة محاطة بأكياس الرمل، تقود مباشرة إلى شبكة واسعة حُفرت في باطن الأرض.
هذه الأنفاق ليست مجرد ممرات بسيطة، بل هي بنية تحتية معقدة. تتكون من ممرات ضيقة محفورة في الصخر، وجدران خشنة تفتقر إلى التدعيم الهندسي، وتشعبات متكررة كل بضعة أمتار، مما يجعلها متاهة حقيقية. القادة الأمنيون في الموقع وصفوا هذه الشبكة بأنها “قرية كاملة تحت الأرض”، استخدمتها قسد للتنقل والتخفي وإدارة المواجهات.
تعزيزات عسكرية وتصعيد خطير في ريف حلب
تأتي معاينة هذه الأنفاق في حلب بالتزامن مع تقارير عن وصول تعزيزات عسكرية جديدة إلى نقاط انتشار قوات قسد في ريف حلب الشرقي. هيئة العمليات في الجيش السوري وصفت هذه التحركات بـ”التصعيد الخطير”، وحذرت من أن أي تحرك عسكري جديد سيُقابل برد عنيف.
اتهامات بوجود عناصر مسلحة غير سورية
تترافق هذه التعزيزات مع اتهامات بوجود مقاتلين من حزب العمال الكردستاني وفلول النظام السابق ضمن تلك القوات. هذه الاتهامات تزيد من تعقيد الوضع الأمني في المنطقة، وتثير مخاوف بشأن استقرار حلب. التحقق من هذه المعلومات يمثل تحديًا كبيرًا، لكنها تؤكد على الحاجة إلى يقظة أمنية عالية.
المخاطر الكامنة: ألغام وعبوات ناسفة
لا تقتصر المخاطر على ما هو موجود داخل شبكة الأنفاق نفسها. تشير التقديرات الرسمية إلى أن مقاتلي قسد زرعوا ألغامًا وعبوات ناسفة داخل الأنفاق، بالإضافة إلى تفخيخ شوارع وأبنية سكنية كانت تُستخدم كمقرات عسكرية. هذا يشكل تهديدًا مباشرًا للأهالي العائدين إلى منازلهم، وفرق الدفاع المدني التي تعمل على إزالة الأنقاض وتأمين المنطقة.
فرق الهندسة تعمل بجد على مسح المنطقة والكشف عن هذه المتفجرات، لكن العملية بطيئة وخطيرة. الأهالي مطالبون بالتعاون مع هذه الفرق والإبلاغ عن أي شيء مريب، لتجنب وقوع حوادث مأساوية.
عودة الحياة وتحديات الاستقرار
على الرغم من هذه التحديات، بدأت الحياة تعود تدريجيًا إلى حيي الأشرفية والشيخ مقصود. الأهالي العائدون يتحدثون عن شعور متجدد بالأمان مع انتشار القوى الأمنية وفرق الدفاع المدني. ومع ذلك، لا يزال هناك الكثير من العمل الذي يتعين القيام به لإعادة بناء المدينة وتوفير الخدمات الأساسية.
شهادات الأهالي: بين الدمار والأمل
الأهالي يصفون شوارعهم بأنها مثقوبة بالرصاص ومنازلهم متضررة، لكنهم يعبرون أيضًا عن أملهم في مستقبل أفضل. يعملون جنبًا إلى جنب مع فرق الدفاع المدني لإزالة الأنقاض وإعادة تأهيل منازلهم. هذا التعاون بين الأهالي والقوات الأمنية يمثل علامة إيجابية، ويشير إلى رغبة حقيقية في استعادة الاستقرار.
مستقبل حلب: بين التحديات والفرص
تؤكد السلطات أن حلب باتت خالية من مسلحي قسد، لكن الأنفاق التي عاينتها الجزيرة تظل شاهدًا على مرحلة أمنية معقدة. هذه الأنفاق السرية في حلب تمثل تحديًا كبيرًا لعملية تثبيت الاستقرار وضمان عودة آمنة ومستدامة لسكانها.
بالإضافة إلى ذلك، يجب معالجة الأسباب الجذرية التي أدت إلى ظهور قسد في المنطقة، ومنع تكرار سيناريوهات مماثلة في المستقبل. يتطلب ذلك جهودًا دبلوماسية وسياسية مكثفة، بالإضافة إلى برامج تنمية اقتصادية واجتماعية تهدف إلى تحسين حياة الأهالي وتوفير فرص عمل لهم.
في الختام، يمثل اكتشاف شبكة الأنفاق في حلب نقطة تحول في عملية استعادة الاستقرار في المدينة. يتطلب ذلك يقظة أمنية عالية، وتعاونًا وثيقًا بين الأهالي والقوات الأمنية، وجهودًا مكثفة لمعالجة الأسباب الجذرية التي أدت إلى ظهور قسد. مستقبل حلب يعتمد على قدرة الجميع على العمل معًا لتحقيق السلام والازدهار. ندعوكم لمشاركة هذا المقال مع المهتمين بالشأن السوري، والتعبير عن آرائكم في قسم التعليقات أدناه.


