وقّعت مصر وسوريا مؤخرًا مذكرتيّ تفاهم رئيسيتين لتعزيز التعاون في قطاع الطاقة، وتحديدًا في مجال توريد الغاز لتوليد الكهرباء وتلبية احتياجات سوريا من المنتجات البترولية. جاء هذا التوقيع في ختام اجتماع رفيع المستوى عقد في القاهرة بين وزيري البترول في البلدين، ممثلاً بوزير البترول والثروة المعدنية المصري المهندس كريم بدوي، ونائب وزير الطاقة السوري لشؤون النفط غياث دياب. وتهدف هذه الخطوة إلى دعم جهود إعادة إعمار البنية التحتية السورية المتضررة.
تم توقيع المذكرتين يوم أمس، عقب مناقشات مكثفة حول السبل المثلى للاستفادة من الإمكانات المصرية في مجال الغاز والبترول، لمساعدة سوريا في تجاوز أزمتها الطاقوية. تأتي هذه الاتفاقيات في سياق التقارب السياسي والاقتصادي المتزايد بين البلدين، بعد سنوات من التوتر. وتشكل هذه المذكرات خطوة عملية نحو تنفيذ مشاريع مشتركة في قطاع الطاقة الحيوي.
تعزيز التعاون في مجال توريد الغاز: تفاصيل الاتفاقية
تستهدف مذكرة التفاهم الأولى إنشاء آلية للتعاون في توريد الغاز المصري إلى سوريا عبر شبكة الغاز الإقليمية. تشمل هذه الآلية إمكانية استخدام البنية التحتية المصرية الحالية، مثل محطات إمعاء الغاز (LNG regasification) وشبكات النقل، لتصدير الغاز إلى سوريا، مما يعزز إمدادات الطاقة اللازمة لتشغيل محطات توليد الكهرباء.
أهمية الغاز المصري لسوريا
تواجه سوريا نقصًا حادًا في إمدادات الغاز الطبيعي، والذي يعتبر ضروريًا لتوليد الكهرباء وتشغيل الصناعات. وقد أدى هذا النقص إلى انقطاعات متكررة للكهرباء وتدهور الأوضاع المعيشية. يمثل الغاز المصري بديلاً حيويًا لتلبية جزء من احتياجات سوريا، خاصةً مع صعوبة الحصول على إمدادات من مصادر أخرى.
وتشير التقارير إلى أن سوريا كانت تعتمد بشكل كبير على حقول الغاز المحلية، لكن الإنتاج تراجع بشكل كبير نتيجة الحرب الأهلية والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية. لذلك، أصبحت سوريا بحاجة ماسة إلى إيجاد مصادر بديلة للغاز لتلبية احتياجاتها المتزايدة.
أما مذكرة التفاهم الثانية، فتركز على التعاون في مجال تلبية احتياجات سوريا من المنتجات البترولية المختلفة، مثل البنزين والمازوت ووقود الطائرات. تهدف هذه المذكرة إلى ضمان وصول هذه المنتجات إلى السوق السورية بأسعار معقولة، لتخفيف العبء على المواطنين ودعم الأنشطة الاقتصادية.
تأهيل البنية التحتية السورية: تحديات وفرص
يشمل التعاون بين مصر وسوريا أيضًا تأهيل البنية التحتية للغاز والبترول في سوريا، والتي تضررت بشكل كبير خلال سنوات الحرب. يشمل ذلك إصلاح وصيانة خطوط الأنابيب ومحطات التخزين والمصافي، بالإضافة إلى تطوير شبكات التوزيع. هذا التأهيل ضروري لاستعادة القدرة الإنتاجية والتشغيلية لقطاع الطاقة السوري.
ويواجه هذا الجهد تحديات كبيرة، بما في ذلك نقص التمويل وتوفر المعدات والخبرات الفنية. ومع ذلك، هناك فرص واعدة للاستفادة من الخبرة المصرية في مجال بناء وتشغيل وصيانة المنشآت النفطية والغازية. بالإضافة إلى ذلك، يمكن للقطاع الخاص في البلدين أن يلعب دورًا هامًا في تنفيذ هذه المشاريع.
وتشكل هذه الاتفاقيات جزءًا من خطة أوسع نطاقًا لإعادة إعمار سوريا، والتي تتطلب استثمارات ضخمة في مختلف القطاعات. كما أنها تعكس رغبة البلدين في تعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية بينهما.
وقد رحب مسؤولون سوريون بهذه المذكرات، معتبرين أنها تمثل دعمًا كبيرًا لجهودهم الرامية إلى تحسين الأوضاع المعيشية والاقتصادية في البلاد. في حين أكد الجانب المصري على التزامه بتقديم الدعم اللازم لسوريا في مجال الطاقة، بما يخدم مصالح الشعبين الصديقين. وتعد هذه الخطوة جزءاً من الجهود الإقليمية المتزايدة لإنهاء العزلة المفروضة على سوريا.
من جهة أخرى، تأتي هذه الاتفاقيات في ظل تزايد الاهتمام العالمي بأمن الطاقة وتنويع مصادر الإمداد. ويتسم سوق الطاقة بالتقلبات الشديدة، خاصةً في ظل الأزمات الجيوسياسية. لذلك، تسعى الدول إلى إقامة شراكات استراتيجية لضمان استقرار إمدادات الطاقة. كما أن استثمارات الطاقة تعد محركاً أساسياً للنمو الاقتصادي.
الخطوة التالية المتوقعة هي تشكيل لجان فنية مشتركة من الجانبين، لوضع خطط تنفيذية مفصلة لمذكرتي التفاهم. من المتوقع أن تبدأ هذه اللجان أعمالها في غضون أسابيع قليلة، وتقديم تقاريرها في أقرب وقت ممكن. على الرغم من التفاؤل الذي يرافق هذه الاتفاقيات، إلا أن هناك بعض العوامل التي قد تؤثر على سرعة تنفيذها، بما في ذلك التحديات الأمنية واللوجستية في سوريا، والقيود المالية المفروضة على دمشق. سيكون من المهم مراقبة تطورات الأوضاع في سوريا، وتقييم مدى تأثيرها على هذه المشاريع الطاقوية.


