انطلقت في غينيا، يوم الأحد، الحملة الرسمية للاستفتاء الدستوري المقرر في 21 سبتمبر/أيلول، في ظل أجواء سياسية مشحونة يغيب عنها أي تمثيل للمعارضة، نتيجة إجراءات قمعية فرضتها السلطة العسكرية الحاكمة منذ انقلاب عام 2021.

وتُروّج السلطات لهذه الخطوة باعتبارها جزءا من “العودة إلى الحكم المدني”، غير أن مؤشرات متعددة تثير شكوكا واسعة بشأن نوايا المجلس العسكري، لا سيما في ظل غموض النص الدستوري حيال أهلية قائد الانقلاب، الجنرال مامادي دومبويا، للترشح في الانتخابات الرئاسية المقبلة.

ورغم أن “ميثاق المرحلة الانتقالية”، الذي أُقر عقب الانقلاب، ينص صراحة على منع أعضاء المجلس العسكري والحكومة من الترشح، فإن دعوات متكررة صدرت عن مسؤولين حكوميين ومؤيدين لدومبويا تطالب بترشحه، مما عزز المخاوف من سعيه لترسيخ سلطته عبر الاستفتاء.

تغييب المعارضة وتقييد الإعلام

في غضون ذلك فرضت الحكومة العسكرية منذ عام 2022، حظرا شاملا على التظاهرات، وشنّت حملة اعتقالات وملاحقات قضائية بحق عدد من قادة المعارضة، دفعت ببعضهم إلى المنفى.

وفي مطلع أغسطس/آب الجاري، أعلنت السلطات تعليق نشاط 3 من أبرز الأحزاب السياسية، من بينها حزب الرئيس السابق ألفا كوندي، لمدة 3 أشهر، في خطوة اعتُبرت تصعيدا إضافيا ضد التعددية السياسية.

كما أقدمت الحكومة على تعليق أو حلّ عشرات الأحزاب الأخرى، في وقت شددت فيه الهيئة العليا للاتصال قبضتها على وسائل الإعلام، محذّرة من أن منح المنصات الإعلامية مساحة للأحزاب “المخالفة للقانون” يُعد “جريمة”، وفق تعبير رئيس الهيئة.

دعوات للتظاهر وتأجيل الاستفتاء

في مواجهة هذا الواقع، دعت قوى المعارضة إلى تنظيم مظاهرات شعبية اعتبارًا من 5 سبتمبر/أيلول، احتجاجًا على ما وصفته بـ”محاولة الاستيلاء على السلطة عبر الاستفتاء”.

وفي تصريح لافت، قال فايا ميليمونو، رئيس حزب “الكتلة الليبرالية” وأحد الأصوات القليلة المتبقية في المشهد المعارض، إن هيئة الإعلام “مدعوة للوقوف دقيقة صمت حدادا على حرية الصحافة التي أسهمت في القضاء عليها”.

من جهته، أصدر “منتدى القوى الاجتماعية في غينيا”، وهو ائتلاف يضم العشرات من منظمات المجتمع المدني، بيانا دعا فيه إلى تأجيل الاستفتاء، مشيرا إلى “سوء التنظيم”، و”قمع المعارضة”، فضلا عن غياب سجل انتخابي موثوق، و”استحواذ وزارة الإدارة الإقليمية بالكامل على الهيئة المشرفة على الانتخابات”، مما يثير مخاوف من غياب النزاهة والشفافية.

سياق تاريخي وتحليل سياسي

تعيد هذه التطورات إلى الأذهان نماذج سابقة في غرب أفريقيا، حيث استخدمت أنظمة عسكرية أدوات الاستفتاء لتكريس سلطتها تحت غطاء دستوري، كما حدث في مالي وبوركينا فاسو.

ويخشى مراقبون من أن يتحول الاستفتاء في غينيا إلى محطة لتثبيت حكم الجنرال دومبويا، بدلا من أن يشكل خطوة نحو انتقال ديمقراطي.

وفي ظل غياب ضمانات قانونية، وتراجع الحريات، وتهميش القوى السياسية، يبقى مستقبل غينيا السياسي رهينا لتوازنات داخلية معقدة، ومواقف المجتمع الدولي من مسار المرحلة الانتقالية، خاصة في ظل تصاعد الدعوات لمساءلة المجلس العسكري بشأن التزامه بالمعايير الديمقراطية والدستورية.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version