مع تصاعد النقاش حول مستقبل قوات سوريا الديمقراطية “قسد”، أعادت رسالة نُسبت إلى زعيم حزب العمال الكردستاني المعتقل عبد الله أوجلان طرح سؤال محوري عما إذا كانت تشكل منعطفا في مسار العلاقة بين “قسد” ودمشق وأنقرة. هذه القضية المعقدة، والتي تتعلق بمستقبل شمال شرق سوريا، تثير تساؤلات حول التوازنات الإقليمية والدور المحتمل لكل من تركيا وسوريا والولايات المتحدة.
رسالة أوجلان: هل هي تحول في مسار العلاقة بين قسد ودمشق وأنقرة؟
نشرت وسائل إعلام تركية في 25 نوفمبر/تشرين الثاني مضمون رسالة نُقلت عن أوجلان خلال لقائه وفدا برلمانيا زاره في سجنه بجزيرة إمرالي التركية، تتحدث عن ضرورة انخراط “قسد” في مؤسسات الدولة السورية. هذه الرسالة، التي جاءت في توقيت حساس، أثارت جدلاً واسعاً حول دوافعها الحقيقية وتأثيرها المحتمل على المشهد السوري. يرى البعض أنها خطوة تكتيكية مرتبطة بالمصالح التركية، بينما يراها آخرون مساراً سياسياً قد ينهي استقلالية الإدارة الذاتية المتشكلة منذ 2014، والتي تدير مناطق شمال وشرق سوريا الخاضعة لسيطرة “قسد”.
زيارة تاريخية للوفد البرلماني التركي إلى أوجلان
تعتبر زيارة الوفد البرلماني التركي لزعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان في سجنه، الاثنين الماضي، حدثاً استثنائياً. فهي أول لقاء رسمي من نوعه منذ اعتقاله عام 1999. وضم الوفد نواباً من حزب العدالة والتنمية الحاكم، وحليفه حزب الحركة القومية، إلى جانب حزب “ديم” المعارض. هذه الزيارة جاءت عقب تصويت أعضاء اللجنة لصالح فتح قنوات حوار مباشرة مع أوجلان، على خلفية دعوته لحل حزب العمال الكردستاني وإنهاء الكفاح المسلح.
خلال اللقاء الذي امتد 3 ساعات، عرض أوجلان رؤيته لتفكيك الحزب وكيفية تنفيذ “اتفاق 10 مارس/آذار” الموقع بين قسد والحكومة السورية، بوصفه جزءاً من تسوية شاملة تنهي الصراع وتعيد هيكلة المشهد في شمال سوريا. ووفق بيان رسمي صادر عن اللجنة، أسفرت الزيارة عن نتائج وصفت بـ”الإيجابية”، من شأنها فتح آفاق أوسع للحوار وتعزيز التماسك الوطني.
تحول داخل حزب العمال الكردستاني “بي كيه كيه”؟
يرى الأستاذ والباحث في العلاقات الدولية، محمد رقيب أوغلو، أن دعوة أوجلان تحمل أهمية داخل السياق التركي الداخلي، لكنها ليست أداة تفاوض إقليمية بقدر ما تعكس تحولاً في مسار الصراع بين حزب العمال الكردستاني “بي كيه كيه” والدولة التركية. وأضاف أن هذه الدعوة تعبر عن إدراك الحزب بأن استمرار القتال لم يعد يحفظ التوازن الإقليمي والدولي.
ويشير أوغلو إلى أن أنقرة تنظر بإيجابية لأي خطوة نحو دمج قوات “قسد” في الجيش السوري، لكنها تطرح أسئلة ملحة حول كيفية ذلك، خصوصاً في ظل وجود عناصر تصنفها “متطرفة” داخل هذه القوات. ويؤكد أن الشرط التركي الجوهري يتمثل في إنهاء وجود السلاح المستقل لدى “قسد” واندماجها الكامل داخل المؤسسة العسكرية السورية. هذا الشرط يمثل نقطة خلاف رئيسية في أي مفاوضات مستقبلية.
موقف سوريا والإدارة الذاتية من دعوة أوجلان
من جهته، يرى أستاذ السياسة بجامعة “كاراتيكين” التركية قتيبة فرحات أن نداء أوجلان لا يمتلك أي أثر فعلي في الملف السوري، لأن القوى الكردية المسلحة في سوريا باتت مرتبطة بالكامل بالولايات المتحدة، ولا تملك القدرة على التجاوب مع أي دعوة تصدر من زعيم حزب العمال الكردستاني.
ويرى ممثل “الإدارة الذاتية” في دول الخليج، سيهانوك ديبو، أن التقييم المنسوب لعبد الله أوجلان حول اتفاقية 10 آذار/مارس يندرج في إطار عام لا يمس تفاصيل علاقة الإدارة الذاتية مع دمشق. ويشدد ديبو على أن مؤسسات الإدارة الذاتية و”قسد” ليست مطروحة للفسخ أو الحل، وأن أي حديث عن ذوبانها داخل مؤسسات الدولة وجعلها بلا تأثير يتجاوز الواقع.
مستقبل العلاقة بين قسد ودمشق: عوامل مؤثرة
تتجه التحليلات إلى أن مستقبل العلاقة بين قسد ودمشق سيظل رهنا بثلاثة عوامل رئيسية: الضغوط الأميركية، والمشروع السياسي التركي، والمعادلات المحلية وعلى رأسها قدرة دمشق على التأثير في العشائر العربية في شمال شرق سوريا. قسد تلعب دوراً محورياً في هذه المعادلة، ومستقبلها مرتبط بشكل وثيق بتطورات هذه العوامل.
انقسام داخلي تركي حول مبادرة الحوار
كشف لقاء الوفد البرلماني بأوجلان في سجنه بجزيرة إمرالي عن انقسام سياسي حاد داخل المشهد التركي. ففي حين أيدت الأحزاب ذات القاعدة الكردية خطوة الحوار، رفض كل من حزب الشعب الجمهوري وحزب “الجيد” القومي الانخراط في الخطوة أو منحها أي غطاء سياسي. هذا الانقسام يعكس تباينات أعمق في النظرة إلى سبل إنهاء الصراع الكردي.
الخلاصة: مستقبل غامض ينتظر شمال شرق سوريا
إن رسالة أوجلان والزيارة البرلمانية التركية تمثلان تطوراً مهماً في المشهد السوري المعقد. المفاوضات السورية قد تشهد تحولات كبيرة في الفترة القادمة، لكن مستقبل العلاقة بين قسد ودمشق وأنقرة لا يزال غامضاً. الوضع في سوريا يتطلب حواراً شاملاً يراعي مصالح جميع الأطراف، ويضمن استقرار المنطقة. يبقى السؤال الأهم: هل ستنجح هذه المبادرة في تحقيق تسوية مستدامة، أم أنها ستؤدي إلى مزيد من التعقيدات والصراعات؟ المتابعة الدقيقة للتطورات على الأرض، وتحليل دقيق للمصالح المتضاربة، هما السبيل الوحيد لفهم هذا المشهد المتغير.



