في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة، تبرز منطقة الشرق الأوسط كساحة صراع نفوذ بين القوى الكبرى. مؤخرًا، كشف الخبير الروسي يوري مافاشيف عن استراتيجية أمريكية جديدة تهدف إلى احتواء النفوذ الصيني المتزايد، وتحديدًا من خلال استهداف الاستقرار في إيران. هذه الاستراتيجية، كما يرى مافاشيف، ليست مجرد مسألة إقليمية، بل هي جزء من صراع عالمي أوسع على الهيمنة الاقتصادية والسياسية.

الاستراتيجية الأمريكية: زعزعة الاستقرار في إيران كأداة لاحتواء الصين

وفقًا لمقال نشرته صحيفة “فزغلياد” الروسية، تركز السياسة الأمريكية الجديدة على إضعاف إيران، مع إدراك كامل لأهمية هذا البلد في تحقيق أهداف الصين الإقليمية والدولية. تعتبر واشنطن أن إيران تمثل حجر الزاوية في مبادرة “الحزام والطريق” الصينية، وهي مبادرة طموحة تهدف إلى إعادة رسم خريطة التجارة العالمية وتعزيز النفوذ الصيني في آسيا وأوروبا وإفريقيا.

تهدف هذه المبادرة إلى بناء شبكة واسعة من البنية التحتية، بما في ذلك الموانئ والطرق والسكك الحديدية، لربط الصين ببقية العالم. إيران، بموقعها الاستراتيجي، تلعب دورًا حيويًا في هذه الشبكة، خاصةً في الممرات التجارية التي تربط آسيا بأوروبا. لذلك، فإن أي اضطراب في إيران يهدد بشكل مباشر هذه المبادرة، وهو ما تسعى الولايات المتحدة إلى استغلاله.

الضغط الاقتصادي: رسالة موجهة إلى بكين

لا يقتصر الأمر على التهديدات السياسية والعسكرية. تستخدم الولايات المتحدة أيضًا أدوات الضغط الاقتصادي، مثل فرض رسوم جمركية على الدول التي تتعامل مع إيران. لكن مافاشيف يرى أن هذه الرسوم ليست موجهة إلى الجميع بشكل متساوٍ، بل هي رسالة مباشرة إلى الصين، تحذرها من مغبة الاستمرار في التعاون الاقتصادي مع طهران.

هذه الرسوم تهدف إلى إجبار الصين على الاختيار بين الوصول إلى السوق الأمريكية والحفاظ على علاقاتها مع إيران. وهو تحدٍ كبير يواجهه صانع القرار الصيني، خاصةً مع تزايد الاعتماد المتبادل بين البلدين.

رد فعل الصين: الدفاع عن المصالح المشتركة

أبدت الصين وعيًا كاملاً بالضغوط الأمريكية المتزايدة. وقد حذرت القيادة الصينية من أن الحروب التجارية لن تفضي إلى منتصرين، وأكدت استعدادها للدفاع عن مصالحها الاقتصادية والسياسية.

بالإضافة إلى ذلك، عززت الصين علاقاتها مع إيران في مجالات متعددة، بما في ذلك السياسة والدبلوماسية والاقتصاد. فقد أظهرت بكين دعمًا قويًا للقضية الفلسطينية، ودانت الانتهاكات الإسرائيلية، وهو ما أكسبها احترامًا دوليًا واسعًا، خاصةً في العالم الإسلامي.

التقارب الصيني الإيراني: دعم متبادل في الساحة الدولية

هذا التقارب انعكس أيضًا في المواقف الميدانية، حيث لم يتم استهداف السفن الصينية في مضيق باب المندب من قبل جماعة أنصار الله (الحوثيين) في اليمن. وهذا يشير إلى وجود تفاهم ضمني بين الصين وإيران، يهدف إلى حماية المصالح المشتركة في المنطقة.

على الصعيد الاقتصادي، بدأت الصين في زيادة اعتمادها على النفط الإيراني لتعويض النقص في الإمدادات الفنزويلية، مستفيدة من الأسعار التفضيلية التي تقدمها طهران. على الرغم من استمرار الضغوط الأمريكية، إلا أن الصين تواصل الاستثمار في إيران وتوسيع نطاق تعاونها الاقتصادي معها. هذا يعكس تصميم بكين على تحدي الهيمنة الأمريكية والدفاع عن المصالح الصينية في منطقة حيوية.

تداعيات الصراع على مشاريع البنية التحتية الإقليمية

يرى مافاشيف أن جوهر الصراع الحالي لا يكمن فقط في الداخل الإيراني، بل في قدرة الصين وروسيا على حماية مصالحهما المشتركة في المنطقة. فإقصاء إيران من المعادلة الإقليمية قد يعطل مشروعات إستراتيجية كبرى، مثل ممر “الشمال-الجنوب” والممر الأوسط عبر بحر قزوين.

هذه المشاريع تهدف إلى ربط روسيا والهند عبر إيران، وتسهيل التجارة والتبادل الثقافي بين هذه الدول. كما أنها تمثل بديلًا للممرات التجارية التقليدية التي تسيطر عليها الولايات المتحدة وحلفاؤها. لذلك، فإن إعاقة هذه المشاريع يخدم في النهاية مساعي واشنطن لفرض هيمنتها وتقليص النفوذ الصيني ونفوذ القوى الصاعدة الأخرى.

الخلاصة: صراع متعدد الأوجه ومستقبل غير مؤكد

في الختام، يمكن القول أن الاستراتيجية الأمريكية الجديدة تجاه إيران هي جزء من صراع عالمي أوسع على النفوذ والهيمنة. تهدف هذه الاستراتيجية إلى احتواء الصين وإعاقة مشاريعها الإقليمية والدولية.

لكن الصين، مدعومة بروسيا، تبدو مصممة على الدفاع عن مصالحها ومواجهة التحديات الأمريكية. مستقبل المنطقة يعتمد إلى حد كبير على نتيجة هذا الصراع، وعلى قدرة القوى المعنية على إيجاد حلول دبلوماسية تضمن الاستقرار والازدهار للجميع.

هل ستنجح الولايات المتحدة في تحقيق أهدافها؟ أم ستتمكن الصين من تعزيز نفوذها في المنطقة؟ هذا ما ستكشفه لنا الأيام القادمة. نحن ندعو القراء إلى متابعة التطورات في هذا الصراع، والمشاركة في النقاش حول مستقبل الشرق الأوسط.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version