في تطور لافت يعكس تحولاً في الأولويات الأمنية للولايات المتحدة، كشف البنتاغون عن استراتيجيته الجديدة للدفاع الوطني، مسجلاً تحولاً كبيراً عن الاستراتيجيات السابقة. يأتي هذا الإعلان بعد ساعات قليلة من حادث مأساوي شهد مقتل مواطن أمريكي أبيض على يد قوات إنفاذ قانون الهجرة في مينيابوليس، وهو ما أثار جدلاً واسعاً وعزز الشكوك حول الدور المتزايد للقوات المسلحة في الشؤون الداخلية. هذه استراتيجية الدفاع الوطني الجديدة، التي تتكون من 34 صفحة، ترسم ملامح رؤية مختلفة تماماً لما كانت عليه في عام 2022، مع التركيز بشكل ملحوظ على الأمن الداخلي ونصف الكرة الغربي.
التحول نحو الأمن الداخلي ونصف الكرة الغربي
تُمثل هذه الوثيقة نقطة تحول رئيسية في السياسة الدفاعية الأمريكية، حيث تعطي الأولوية لأمن الأراضي الأمريكية ونصف الكرة الغربي على حساب التركيز التقليدي على الصين. تُقر الاستراتيجية بأن الدفاع الوطني يبدأ من الداخل، وتشمل أولوياته تأمين الحدود، ومكافحة “إرهابيي” المخدرات، وحماية المناطق الرئيسية في نصف الكرة الغربي، وذلك من خلال إحياء مبدأ مونرو الذي يهدف إلى منع التدخل الخارجي في شؤون القارة الأمريكية.
تأمين الحدود ومكافحة الهجرة غير النظامية
لم يعد تأمين الحدود مجرد مهمة تقع على عاتق وزارة الأمن الداخلي، بل أصبح الآن جزءًا لا يتجزأ من أولويات البنتاغون. تشمل هذه المهمة مكافحة الهجرة غير النظامية، ومنع وصول المخدرات إلى الأراضي الأمريكية، ودعم جهود الاعتقال والترحيل. هذا التحول يعكس قلقًا متزايدًا بشأن التحديات الأمنية على الحدود، وتأثيرها على المجتمع الأمريكي. الناشط السياسي برايان آلان علق على الأمر عبر منصة “إكس” (تويتر سابقًا)، مشيرًا إلى أن الخطة الجديدة تتضمن قوة استجابة للحرس الوطني على مستوى البلاد، مدربة على التعامل مع الحشود والاضطرابات المدنية، يمكن نشرها في جميع الولايات بحلول أبريل 2026، معتبراً ذلك استعداداً لقمع المعارضة.
إعادة تقييم التحالفات والتهديدات الخارجية
تتضمن الاستراتيجية العسكرية الجديدة نقدًا ضمنيًا للإدارات السابقة، التي اتُهمت بالانغماس في “حروب أبدية” مع إهمال الأمن في نصف الكرة الغربي. ترى واشنطن أن تركيزها على مناطق بعيدة سمح للكارتلات ودول مصدرة للمخدرات، بالإضافة إلى المنافسين الكبار، بالانتشار في “الحديقة الخلفية” للولايات المتحدة.
الناتو وأمن أوروبا
فيما يتعلق بأوروبا، تشير الوثيقة إلى أن روسيا لا تزال تمثل تهديدًا، لكنه “قابل للإدارة”، وتؤكد أن حلفاء الناتو أقوى بكثير من روسيا، حيث يبلغ الناتج الإجمالي لدول الناتو (باستثناء الولايات المتحدة وكندا) 22 تريليون دولار، بينما لا يتجاوز الناتج الروسي 3 تريليونات دولار. وبالتالي، ترى الاستراتيجية أن أوروبا “في موقع قوي لتحمل المسؤولية الأساسية عن الدفاع التقليدي” عن نفسها، وأن الولايات المتحدة يمكن أن تقلل من وجودها الجوي على حدود الناتو مع أوكرانيا. هذا الموقف يتوافق مع تصريحات الرئيس ترامب المتكررة حول عبء التكاليف الذي تتحمله الولايات المتحدة في تمويل الناتو.
التعامل مع الصين: ردع وليس مواجهة
على عكس الاستراتيجية السابقة التي ركزت على الصين باعتبارها “التحدي الأهم” للهيمنة الأمريكية، تتخذ السياسة الدفاعية الجديدة نبرة أكثر تصالحية تجاه بكين. تهدف الاستراتيجية إلى إقامة “الاستقرار الإستراتيجي” في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وتخفيف التوترات مع الجيش الصيني. وترى أن الصين قوة مستقرة لا تحتاج إلا إلى ردعها عن الهيمنة على الولايات المتحدة أو حلفائها. وتؤكد الاستراتيجية أن الهدف ليس “الهيمنة على الصين، ولا خنقها أو إذلالها”، بل السعي إلى “سلام مستقر، وتجارة عادلة، وعلاقات محترمة”. هذا التوجه يأتي في وقت يستعد فيه الرئيس ترامب لاجتماع قمة متوقع مع الزعيم الصيني شي جين بينغ.
إعادة إحياء التصنيع العسكري
تولي الاستراتيجية أهمية قصوى لقضية التصنيع العسكري، وتعتبر القاعدة الصناعية الدفاعية بمثابة “سلاح” يجب تعزيزه وتطويره. وتؤكد أن الحروب تُكسب من خلال الإنتاج، وليس من خلال البيانات الصحفية. وتقر الاستراتيجية بأن الولايات المتحدة لا يمكنها ردع القوى العظمى إذا لم تتمكن من بناء قدراتها العسكرية “على نطاق واسع وبسرعة” داخل البلاد. هذا يمثل إدانة ضمنية لسياسات العولمة التي استمرت لمدة 30 عامًا.
تحديث القدرات العسكرية
تدعو الوثيقة إلى تنشيط وتوسيع الإنتاج العسكري من خلال تبني ابتكارات حديثة مثل الذكاء الاصطناعي، وإزالة العقبات البيروقراطية أمام إنتاج المزيد من الذخائر والأنظمة العسكرية. وتطالب بالعودة إلى مكانة الولايات المتحدة كـ “الترسانة الأولى في العالم”، القادرة على الإنتاج ليس فقط لاحتياجاتها الخاصة، بل أيضًا لاحتياجات حلفائها وشركائها. بالإضافة إلى ذلك، تركز الاستراتيجية على تحديث الأسلحة النووية، وتعزيز الحماية السيبرانية، ومكافحة الإرهاب.
الخلاصة
تُمثل الاستراتيجية الأمنية الجديدة للبنتاغون تحولًا جذريًا في السياسة الدفاعية الأمريكية، مع التركيز بشكل متزايد على الأمن الداخلي ونصف الكرة الغربي. هذا التحول يعكس تقييمًا جديدًا للتهديدات والتحديات التي تواجه الولايات المتحدة، ورغبة في إعادة توجيه الموارد والجهود نحو حماية المصالح الأمريكية القومية. من خلال إعادة إحياء التصنيع العسكري، وإعادة تقييم التحالفات، والتعامل مع الصين بنبرة أكثر تصالحية، تسعى واشنطن إلى بناء نظام دفاعي أكثر فعالية واستدامة، قادر على مواجهة التحديات المستقبلية. هذه الاستراتيجية ستشكل بالتأكيد مسار السياسة الخارجية والأمنية الأمريكية في السنوات القادمة، وستثير نقاشات واسعة حول أولويات البلاد ومكانتها في العالم.


