مستقبل غزة: بين خطوات إعادة الإعمار وتحديات الحكم ونزع السلاح
مع إعلان بدء المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة في 15 يناير 2026، تتصاعد التوترات الميدانية وتتداخل المخاوف السياسية. يراقب العالم عن كثب هذه المرحلة الحاسمة، التي تهدف إلى الانتقال من وقف إطلاق النار إلى إعادة الإعمار وترتيبات الحكم، لكنها تواجه عقبات كبيرة. يركز هذا المقال على تحليل هذه المرحلة، والتحديات التي تواجهها، ووجهات النظر المختلفة حول مستقبل غزة، مع التركيز على مسألة نزع السلاح والوجود الإسرائيلي.
خريطة الطريق المعقدة: المسارات المتوازية في غزة
يشير الخبراء إلى وجود ثلاثة مسارات رئيسية تتشابك وتتعارض في الوقت الحالي. أولاً، الإدارة الأمريكية، التي أعلنت عن دخول المرحلة الثانية بناءً على خطة الرئيس السابق دونالد ترامب، والتي تركز على تشكيل حكومة انتقالية فلسطينية تكنوقراطية. ثانياً، إسرائيل، التي تتهم حركة حماس بخرق وقف إطلاق النار وتواصل رفضها الانسحاب الكامل من القطاع. وثالثاً، حركة حماس، التي تصر على الاحتفاظ بسلاحها وتعتبره جزءاً أساسياً من مقاومتها.
إبراهيم فريحات، أستاذ النزاعات الدولية بمعهد الدوحة للدراسات العليا، يرى أن هذه المسارات المتوازية لن تدوم طويلاً، وأن صراعاً حتمياً سيحدث، حيث ستفرض إحدى هذه القوى إرادتها على الأخرى. هذا الصراع المحتمل يثير قلقاً بالغاً بشأن مستقبل غزة واستقرار المنطقة.
التحديات الرئيسية في المرحلة الثانية: الحكم وإعادة الإعمار ونزع السلاح
تكمن أهمية المرحلة الثانية في الانتقال من مجرد وقف لإطلاق النار إلى عملية شاملة لإعادة الإعمار وبناء مؤسسات حكم جديدة. ومع ذلك، يواجه هذا الانتقال تحديات بنيوية كبيرة. أحد هذه التحديات هو الخوف من فرض ترتيبات حكم خارجية على الفلسطينيين، سواء من خلال لجنة إدارية غير منتخبة أو من خلال قوة دولية.
فريحات يؤكد أن التحدي الأكبر يكمن في قدرة اللجنة الوطنية الفلسطينية المشكلة على إدارة المرحلة الانتقالية وتنفيذ عملية إعادة الإعمار بما يخدم مصالح الشعب الفلسطيني. إعادة الإعمار ليست مجرد بناء منازل وبنية تحتية، بل هي أيضاً عملية بناء دولة ومؤسسات قادرة على الحكم.
نزع السلاح: الهدف المركزي لإسرائيل والورقة الضغط
يرى مهند مصطفى، الخبير في الشؤون الإسرائيلية، أن نزع سلاح غزة أصبح الهدف المركزي لإسرائيل في هذه المرحلة. في حين أن الإدارة الأمريكية قدمت خطة تفصل بين تشكيل حكومة تكنوقراطية ونزع السلاح، إلا أن إسرائيل تصر على أن نزع السلاح يجب أن يكون شرطاً أساسياً لأي تقدم.
ويوضح مصطفى أن إسرائيل تمتلك ورقتين ضغط رئيسيتين: احتلالها لأكثر من نصف قطاع غزة، ورفضها فتح معبر رفح البري. تستخدم إسرائيل هذه الأدوات للضغط على الولايات المتحدة والأطراف الأخرى المعنية، بهدف تحقيق أهدافها المتعلقة بنزع السلاح والسيطرة الأمنية. هذا الوضع يعقد عملية السلام ويزيد من احتمالات التصعيد.
مستقبل حماس: بين الالتزامات والتحديات
تثير مسألة سلاح حماس جدلاً كبيراً. يرى فريحات أن النهج الأمريكي يعتمد على ترحيل القضايا المستعصية، مثل نزع السلاح، دون اتخاذ خطوات عملية ملموسة. ويؤكد أن الحل الوحيد يكمن في التفاوض المباشر مع حماس، مشيراً إلى أن نزع السلاح بالقوة غير ممكن، وهو ما تدركه الإدارة الأمريكية نفسها.
ويضيف أن التزام حماس بوقف إطلاق النار في المرحلة الأولى يمثل نافذة أمل لإمكانية التوصل إلى صيغ قابلة للتطبيق. ومع ذلك، يبقى السؤال حول ما إذا كانت حماس مستعدة للتخلي عن سلاحها في مقابل ضمانات أمنية وسياسية حقيقية. هذا التحدي يتطلب حواراً صريحاً وبناءً بين جميع الأطراف.
تقييم الوضع الراهن: هل فشل رهان نتنياهو؟
على الرغم من أن إسرائيل لم تلتزم بشكل كامل ببنود المرحلة الأولى من الاتفاق، باستمرار التصعيد الميداني، إلا أن الانتقال إلى المرحلة الثانية قد أفشل رهان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على استئناف الحرب. الآن، يبدو خيار البقاء العسكري في غزة هو البديل الأكثر ترجيحاً، وهو ما يعني استمراراً للوضع الراهن وعدم حل المشكلة الفلسطينية.
الخلاصة: مستقبل غزة على المحك
المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة تمثل لحظة حاسمة. النجاح في هذه المرحلة يتطلب جهوداً دبلوماسية مكثفة، والتزاماً حقيقياً من جميع الأطراف، وحواراً بناءً حول القضايا العالقة، وخاصة مسألة نزع السلاح وترتيبات الحكم. فشل هذه المرحلة قد يؤدي إلى تصعيد جديد للعنف، وتقويض أي أمل في تحقيق سلام دائم في المنطقة. مستقبل غزة، وشعبها، يعتمد على القرارات التي ستتخذ في الأسابيع والأشهر القادمة. نأمل أن تسود الحكمة والاعتدال، وأن يتم إعطاء الأولوية لمصالح الشعب الفلسطيني في بناء مستقبل أفضل.
الكلمات المفتاحية الثانوية: الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، إعادة إعمار غزة، حركة حماس.



