في خضم التطورات الجيوسياسية المتسارعة، يجد الاتحاد الأوروبي نفسه مجدداً أمام تحدٍ كبير في التعامل مع السياسات الخارجية الأمريكية، خاصةً مع احتمال عودة الرئيس السابق دونالد ترامب إلى البيت الأبيض. يطرح هذا الاحتمال تساؤلات حول مستقبل العلاقات عبر الأطلسي، وضرورة إعادة تقييم الاستراتيجيات المتبعة. يركز هذا المقال على تحليل دعوة الكاتب البريطاني باتريك كوكبيرن إلى أوروبا بتبني سياسة مقاومة ترامب بدلاً من الاسترضاء، مع استعراض الحلول المطروحة والتحديات التي تواجهها القارة العجوز.

أخطاء الماضي: لماذا فشلت سياسة الاسترضاء مع ترامب؟

يرى باتريك كوكبيرن أن قادة أوروبا وقعوا في خطأ فادح بالتعامل مع دونالد ترامب خلال فترة رئاسته الأولى على أنه “طفل غاضب” يمكن تهدئته بالمجاملات والخطوات الرمزية. هذا النهج، بحسب الكاتب، لم يحقق سوى مزيد من الجرأة والتصلب في مواقف ترامب، وعزز قناعته بأنه قادر على الإفلات من العقاب.

يشير كوكبيرن إلى أن أوروبا تجاهلت بشكل ملحوظ أفعال ترامب التي وصفها بـ “غير القانونية”، مثل محاولات التدخل في الشؤون الداخلية لدول مثل فنزويلا، وتحديداً محاولة اختطاف الرئيس نيكولاس مادورو. بالإضافة إلى ذلك، يعتبر الكاتب أن التراجع “المهين” لأوروبا في ملف الرسوم الجمركية، والاستسلام للضغوط الأمريكية، ساهم في تعزيز هذه القناعة لدى ترامب. هذا التاريخ من الاسترضاء يجعله يعتقد أن أوروبا لن تتصدى له بشكل حقيقي.

المقاومة الحازمة: هل هي الحل الوحيد؟

يطرح كوكبيرن سؤالاً محورياً: هل هناك بديل أوروبي لسياسة الاسترضاء المستمرة؟ ويجيب بأن هناك حلين رئيسيين، لكنهما يتطلبان إرادة سياسية قوية، وهو ما يراه غائباً حالياً. يعتمد تحليله على أفكار إليوت كوهين، المفكر البارز في السياسة الخارجية الأمريكية، والذي يرى أن أوروبا بحاجة إلى تغيير جذري في استراتيجيتها.

الردع العسكري: قوة أوروبية في غرينلاند

أحد الحلول المقترحة هو نشر قوة عسكرية أوروبية دائمة وقوية في غرينلاند، تتكون من حوالي 5 آلاف جندي، مجهزة بصواريخ متطورة مضادة للطائرات والسفن. يجب أن تكون هذه القوة لديها تعليمات واضحة بالقتال “حتى الطلقة الأخيرة” للدفاع عن مصالحها.

الهدف من هذا الإجراء ليس بالضرورة الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة مع الولايات المتحدة، بل إرسال رسالة قوية لترامب مفادها أن أي تدخل أوروبي سيواجه مقاومة حقيقية، وأن الثمن سيكون باهظاً. يرى كوهين أن ترامب لن يجرؤ على إرسال قواته لمواجهة حلفائه إذا علم أن ذلك سيؤدي إلى عودة جنوده إلى الوطن في “أكياس جثث”. هذا النوع من الردع العسكري قد يكون كافياً لثنيه عن أي مغامرات.

العقوبات الاقتصادية: سلاح الاتحاد الأوروبي

الحل الثاني يتمثل في استغلال القوة الاقتصادية الهائلة للاتحاد الأوروبي، الذي يعتبر ثالث أكبر اقتصاد في العالم. بدلاً من الرضوخ للرسوم الجمركية الأحادية التي يفرضها ترامب، يجب على أوروبا أن تفرض عقوبات صارمة على الشركات الأمريكية، وتحرمها من الوصول إلى الأسواق الأوروبية.

هذا الإجراء سيؤدي إلى إلحاق ضرر كبير بالاقتصاد الأمريكي، وبالتالي الضغط على ترامب لإعادة النظر في سياساته. يتطلب هذا النهج تنسيقاً وثيقاً بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، وتوحيداً للصفوف لمواجهة الضغوط الأمريكية المحتملة. إن استخدام العقوبات الاقتصادية كأداة للضغط يمكن أن يكون فعالاً للغاية.

دروس من الماضي: تكرار سيناريو هتلر؟

يحذر كوكبيرن من أن أوروبا قد تكرر أخطاء الماضي، مشيراً إلى فشل سياسة الاسترضاء التي اتبعتها القارة العجوز في مواجهة الزعيم النازي أدولف هتلر. ويؤكد أن الخطوات الرمزية لا تكفي لردع المعتدي، وأنها غالباً ما تؤدي إلى تغذية طموحاته.

يشير الكاتب إلى أن إرسال قوة أوروبية صغيرة إلى غرينلاند في الماضي لم يكن كافياً لردع ترامب، بل أثار استياءه وزاد من حدة التوتر. لذلك، يدعو قادة أوروبا إلى استخلاص العبر من التاريخ، وإدراك أن مقاومة ترامب الجدية هي وحدها القادرة على حماية مصالحهم.

مستقبل العلاقات عبر الأطلسي: هل سنشهد تكراراً للأحداث؟

يختتم كوكبيرن تحليله بتحذير من أن ما يحدث في غرينلاند اليوم قد يتكرر غداً في كندا أو في مناطق أخرى. ويؤكد أن قادة أوروبا يجب أن يدركوا أن التهديدات التي تواجههم حقيقية، وأن عليهم أن يكونوا مستعدين لمواجهتها بكل حزم.

إن تبني سياسة مقاومة ترامب ليس خياراً سهلاً، ولكنه قد يكون ضرورياً لحماية المصالح الأوروبية، والحفاظ على الاستقرار في العلاقات عبر الأطلسي. يتطلب هذا التحول إرادة سياسية قوية، وتنسيقاً وثيقاً بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، واستعداداً لتحمل المخاطر والتحديات. يجب على أوروبا أن تتعلم من أخطاء الماضي، وأن تتصرف بحكمة وحزم في مواجهة المستقبل.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version