في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، يشهد الشرق الأوسط تحركات عسكرية مكثفة، وتحديداً مع وصول تعزيزات أمريكية جديدة إلى المنطقة بالتزامن مع تقارير عن تسليح إيراني متقدم من دول شرقية. هذا الوضع يثير تساؤلات حول مستقبل الاستقرار، وهل المنطقة تتجه نحو مواجهة جديدة أم أن هذه التحركات تهدف إلى تحقيق أهداف سياسية واستباقية؟ يركز هذا المقال على التصعيد الإقليمي، وتحليل الأسباب المحتملة والسيناريوهات المستقبلية، مع التركيز على التطورات المتعلقة بالقدرات العسكرية الإيرانية والردود المحتملة.

تعزيزات عسكرية أم حرب نفسية؟

تتزايد التقارير الغربية حول تحرك حاملة الطائرات الأمريكية “أبراهام لينكولن” نحو الشرق الأوسط، مع احتمالية انضمام حاملة الطائرات “جورج بوش” وأسراب مقاتلة إضافية. هذه التحركات تأتي في وقت تتحدث فيه مصادر إيرانية عن فتح قناة جوية مع روسيا، مما سمح بوصول شحنات أسلحة متطورة إلى إيران. هذا يشير إلى أن طهران ليست معزولة تمامًا، وأنها قادرة على تعزيز قدراتها الدفاعية من خلال تحالفاتها مع دول مثل روسيا والصين.

التعزيزات الشرقية للقدرات الإيرانية

يشير الباحث السياسي علي رضا تقوي نيا إلى أن إيران تتلقى دعمًا عسكريًا متقدمًا من روسيا والصين، مما قد يحدث نقلة نوعية في قدراتها القتالية. ويؤكد أن تدفق طائرات الشحن الروسية الثقيلة إلى المطارات الإيرانية في الأشهر الأخيرة لم يكن مجرد صدفة، بل هو جزء من شراكة استراتيجية بين البلدين.

أسلحة متطورة في ترسانة إيران

تتضمن هذه التعزيزات، وفقًا لتقوي نيا، مروحيات هجومية روسية من طراز مي-28، والتي يصفها بأنها “صياد ليلي” بقدرات قتالية متكاملة. بالإضافة إلى ذلك، تشير التقارير إلى وصول أنظمة دفاع جوي صينية وروسية متقدمة، مثل نظام HQ-9 الصيني الذي يعتبر مماثلاً لنظام “باتريوت” الأمريكي، ونظام S-400 الروسي المعروف. كما تتحدث الصحافة الفارسية عن تسليم طهران مقاتلات سوخوي-35 الروسية.

على الرغم من هذه التعزيزات، يؤكد تقوي نيا أن إيران تعتمد بشكل أساسي على قدراتها الذاتية، خاصة في مجال المسيّرات والصواريخ الباليستية، بما في ذلك الصواريخ الفرط صوتية التي طورتها بكميات كبيرة بعد حرب يونيو/حزيران الماضي. ويعتقد أن هذه التعزيزات الجوية الشرقية ستشكل تحديًا كبيرًا لأي عدوان جوي محتمل على إيران.

هل الحرب قادمة؟ وجهات نظر إيرانية متباينة

تتضارب الآراء داخل إيران حول احتمالية اندلاع حرب. يرى البعض أن الحرب حتمية، بينما يعتقد آخرون أن واشنطن لا تسعى إلى حرب جديدة، بل تهدف إلى كسر إرادة طهران من خلال حرب نفسية وحملات تخويف. يرى هؤلاء أن التحشيد العسكري هو مجرد وسيلة للضغط على إيران وإجبارها على التراجع أو تقديم تنازلات دون اللجوء إلى مواجهة عسكرية واسعة النطاق.

في المقابل، يهدد مسؤولون إيرانيون علنًا بضرب القواعد الأمريكية في المنطقة إذا تعرضت إيران لهجوم. الباحث السياسي صلاح الدين خديو يرى أن تدفق الإمدادات العسكرية الأمريكية إلى المنطقة هو “تمهيد للمواجهة”، مشيرًا إلى أن تراجع ترامب عن الهجوم المحتمل يعود لأسباب لوجستية وسياسية. ويؤكد أن خيار الحرب لا يزال قائمًا بقوة، وأن اللقاء بين ترامب ونتنياهو في فلوريدا هو جزء من خطة “ستُنفذ خطوة بخطوة”.

استغلال الاضطرابات الداخلية والتركيز على البرنامج النووي

يعتقد المحلل خديو أن واشنطن وتل أبيب تنظران إلى الاضطرابات الداخلية والتدهور الاقتصادي في إيران على أنهما “فرصة مناسبة” لتحقيق “أهداف استراتيجية”. ويرى أن تركيزهما الأساسي ينصب على إضعاف القدرة الصاروخية الإيرانية والملف النووي، خاصة فيما يتعلق بالمواد المخصبة، كمدخل لفرض أجندة أشمل.

ويخلص خديو إلى أن احتمالية اندلاع صراع عسكري مباشر بين الولايات المتحدة وإيران “أعلى من أي وقت مضى”، خاصة بعد حرب الـ12 يومًا الأخيرة. ويتوقع دخول المنطقة مرحلة حاسمة خلال الأسابيع المقبلة، إما نحو التسويات تحت التهديد، أو نحو مواجهة يصعب احتواء تبعاتها.

الضغط النفسي كاستراتيجية أمريكية

في المقابل، يرى الباحث في الشؤون الدولية رضا بردستاني أن التحركات العسكرية الأمريكية هي جزء من استراتيجية ضغط نفسي معقدة تهدف إلى إيجاد بيئة من الترقب والضغط المستمر لإجبار طهران على التراجع. ويشير إلى أن الولايات المتحدة قد تفتقر إلى القدرة الكاملة على إدارة تداعيات مرحلة ما بعد أي هجوم واسع النطاق، مما يتيح فرصة لإيران لاستعادة المبادرة من خلال “الخطوات المدروسة والخطط المعدة سلفًا”.

ويختتم بردستاني بأن مسار الرد الإيراني يجب أن يعتمد على الاستعداد العسكري، ولكن دون الانخراط في لعبة يريدها الخصم، بل وفق استراتيجية ذكية طويلة النفس تهدف إلى تحويل التهديد إلى فرصة من خلال تعزيز الاقتصاد وبناء رواية إعلامية ودبلوماسية مضادة وتفعيل دبلوماسية إقليمية نشطة.

سيناريوهات مستقبلية محتملة

يقدم أستاذ العلاقات الدولية بجامعة طهران، محسن جليلوند، تقييمًا متشائمًا للمستقبل القريب، ويرسم ثلاثة سيناريوهات محتملة:

  • الحوار الداخلي: إقدام النظام الإيراني على إطلاق حوار جاد مع شعبه، والاعتراف بمطالب المواطنين، والبدء في إصلاحات اقتصادية وسياسية عميقة.
  • المسار الدبلوماسي: استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة، وهو السيناريو الأقل احتمالا بسبب الشروط الأمريكية الصارمة والوضع الداخلي والخارجي لإيران.
  • الاستمرار في التصعيد: وهو السيناريو الأكثر ترجيحًا، حيث يستمر التصعيد الإقليمي وتتزايد التوترات، مما قد يؤدي إلى مواجهة عسكرية مباشرة.

ويستشهد جليلوند بـ”الصمت الإسرائيلي” اللافت عقب الحرب الأخيرة، معتبرًا أنه ليس صمتًا عابرًا، بل جزء من استراتيجية محسوبة مرتبطة بالاحتجاجات الأخيرة في إيران.

في الختام، الوضع في الشرق الأوسط بالغ التعقيد، والتحركات العسكرية المتزايدة تثير مخاوف جدية بشأن مستقبل الاستقرار الإقليمي. من الضروري مراقبة التطورات عن كثب، وفهم الدوافع والأهداف الكامنة وراء هذه التحركات، والعمل على إيجاد حلول دبلوماسية لتجنب التصعيد الإقليمي واندلاع حرب مدمرة. هل ستنجح الجهود الدبلوماسية في احتواء الأزمة، أم أن المنطقة تتجه نحو مواجهة جديدة؟ هذا ما ستكشفه الأيام القادمة.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version