تصاعد التوترات: بريطانيا في مأزق بين ترامب وأوروبا بشأن قضية غرينلاند

في تطورات متسارعة، وجدت بريطانيا نفسها في موقف حرج، حيث تتعرض لضغوط متزايدة من كل من الولايات المتحدة وأوروبا على خلفية قضية غرينلاند، وتحديداً رغبة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في ضمها. ورغم محاولات رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر المستمرة لتهدئة واشنطن، لم تسلم لندن من الرسوم الجمركية العقابية التي فرضتها الإدارة الأمريكية على الواردات الأوروبية، وذلك بعد مشاركة بريطانيا، إلى جانب سبع دول أوروبية أخرى، في إرسال قوات محدودة إلى الجزيرة للتأكيد على سيادتها. هذا التصعيد يضع الحكومة البريطانية أمام خيارات صعبة، ويختبر علاقاتها المعقدة مع كل من واشنطن وبروكسل.

رد فعل واشنطن: رسوم جمركية وتصريحات استفزازية

قررت الولايات المتحدة، بقيادة ترامب، إنهاء الهدنة التجارية مع الدول الأوروبية وفرض رسوم جمركية بنسبة 10% على الواردات الأوروبية. يأتي هذا القرار كرد فعل على ما وصفته واشنطن بـ “التعدي” على مصالحها، وتحديداً إرسال القوات البريطانية والأوروبية إلى غرينلاند. لم يقتصر الأمر على الرسوم الجمركية، بل ترافقت مع تصريحات استفزازية من ترامب، مما زاد من حدة التوتر.

هذا التحرك يهدد بتقويض الجهود التي بذلها ستارمر لتأمين اتفاق تجاري مع الولايات المتحدة، وهو اتفاق تعتبره لندن ضرورياً لتعزيز اقتصادها في فترة ما بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست).

دور الوساطة البريطاني: حبل مشدود بين واشنطن وبروكسل

منذ عودته إلى البيت الأبيض، سعى كير ستارمر إلى لعب دور الوسيط بين الأوروبيين وإدارة ترامب. وفي مؤتمر صحفي عُقد على عجل، أكد ستارمر على أهمية العلاقات مع واشنطن، مشدداً على أن خياره بالتودد للإدارة الأمريكية كان صائباً. لكنه في الوقت نفسه، وجه أول نقد علني لترامب، مذكراً إياه بأن التحالفات القوية تبنى على الشراكة والاحترام المتبادل، وليس على الضغوط والإملاءات.

يبدو ستارمر حريصاً على عدم إغضاب واشنطن، ولكنه أيضاً يحاول إرسال رسالة إلى أوروبا مفادها أن بريطانيا لا تتخلى عن مبادئها وقيمها. إنه يسعى إلى إيجاد توازن دقيق بين الحفاظ على العلاقات مع الشريك الأمريكي، ودعم سيادة الدول الأوروبية، بما في ذلك غرينلاند.

حدود التنازلات البريطانية: خط أحمر بشأن غرينلاند

على الرغم من رغبته في لعب دور الوسيط، إلا أن ستارمر ألمح ضمنياً إلى وجود “خط أحمر” فيما يتعلق بالتنازلات البريطانية. الاستيلاء العسكري على غرينلاند يعتبر تجاوزاً للقيم التي يقوم عليها التحالف الغربي، ولا يمكن السكوت عنه. هذا الموقف يعكس قلقاً متزايداً في لندن بشأن التوجهات المتطرفة لترامب، وتأثيرها على الاستقرار الإقليمي والدولي.

ردود الفعل البريطانية: إجماع على الرفض

بغض النظر عن الاختلافات الأيديولوجية، أجمعت النخب السياسية البريطانية على رفض تهديدات ترامب بشأن غرينلاند. فمن جهة، دعا زعيم حزب الخضر إلى طرد القوات الأمريكية من القواعد البريطانية، بينما وصف نايجل فاراج، المقرب من ترامب، تصريحاته بأنها “مقلقة للغاية”. وطالب زعيم الحزب الديمقراطي الليبرالي الحكومة بتغيير مسارها، والتعامل مع ترامب بحزم، بينما دعا النائب المحافظ إلى الرد بالمثل على التصعيد الأمريكي.

وزيرة الخارجية البريطانية، إيفيت كوبر، حاولت بدورها التعبير عن نهج براغماتي، مؤكدة على عزم بريطانيا على الدفاع عن مصالحها في غرينلاند، دون التخلي عن شراكاتها الاستراتيجية.

الرأي العام البريطاني: دعوة إلى الرد الحاسم

تُظهر استطلاعات الرأي العام البريطاني دعماً واسعاً لفرض تعريفات جمركية على البضائع المستوردة من الولايات المتحدة، في حال نفذ ترامب وعيده. فقد كشف استطلاع أجرته مؤسسة يوغوف أن ثلثي البريطانيين يؤيدون هذا الإجراء. هذا يعكس شعوراً متزايداً بالاستياء من الاستفزازات الأمريكية، ورغبة في أن تتخذ الحكومة البريطانية موقفاً أكثر حزماً.

مستقبل العلاقات البريطانية الأمريكية والأوروبية

يؤكد المحللون أن هذا التصعيد يضع بريطانيا في زاوية ضيقة، حيث تسعى إلى تحسين أدائها الاقتصادي، وتقريبها من الأوروبيين، مع الحفاظ على علاقاتها الوثيقة مع الولايات المتحدة. وتتعالى الأصوات داخل حزب العمال الحاكم التي تحذر ستارمر من أن فكرة ازدهار بريطانيا كقوة عالمية مستقلة عن أوروبا تبدو بعيدة المنال، خاصة في ظل عدم اكتراث الإدارة الأمريكية بالمصالح البريطانية.

وتشير التقارير إلى أن الإدارة الأمريكية تضغط على المفاوضين البريطانيين للتخلي عن المعايير الأوروبية في مفاوضات الاتفاق التجاري، مما قد يعقد مهمة لندن في إبرام صفقات تجارية جديدة مع الاتحاد الأوروبي.

في الوقت الذي يحاول فيه الأوروبيون التغلب على خلافاتهم وتشكيل جبهة موحدة ضد ترامب، يبقى السؤال مفتوحاً: هل سيدفع تصعيد الرئيس الأمريكي بريطانيا في النهاية إلى الانضمام علناً إلى هذه الجبهة، أم ستظل مترددة في اتخاذ موقف حاسم؟ ويبدو أن أي إجراءات عقابية مستقبلية من واشنطن قد لا تستثني لندن هذه المرة، مما يزيد من تعقيد الوضع ويجعل مستقبل العلاقات البريطانية الأمريكية والأوروبية أكثر غموضاً.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version