خلال المؤتمر الصحفي الذي أعقب قمة فلوريدا بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أثار الحديث عن إمكانية تحقيق تسوية سورية إسرائيلية جدلاً واسعاً. أكد ترامب، أمس الأول الاثنين، أنه سيعمل على أن يكون هناك توافق بين الرئيس السوري أحمد الشرع ونتنياهو، في خطوة تعتبر تحولاً كبيراً في السياسة الأمريكية تجاه سوريا. هذا التطور يأتي بعد عام من انهيار نظام بشار الأسد، وتقارب ملحوظ للإدارة الأمريكية مع السلطة السورية الجديدة.

تقارب أمريكي مع دمشق وإعادة هندسة المشهد الإقليمي

منذ سقوط نظام الأسد، شهدت العلاقات الأمريكية السورية تحولاً ملحوظاً. التقى ترامب بالرئيس الشرع عدة مرات، ودفع باتجاه إلغاء العقوبات المفروضة على سوريا، بما في ذلك قانون قيصر. هذا التقارب يهدف، وفقاً لمحللين، إلى إعادة هندسة المشهد السوري الإسرائيلي، والعمل على تحقيق تسوية سورية إسرائيلية وظيفية، حتى وإن لم يكن هناك اتفاق سلام شامل في الأفق القريب.

الجيش الإسرائيلي لا يزال يسيطر على المنطقة العازلة التي تبلغ مساحتها 155 ميلاً مربعاً بين البلدين، وهو ما يمثل تحدياً أمام أي اتفاق محتمل. ومع ذلك، تعمل واشنطن من خلال مبعوث ترامب، توم برّاك، على إيجاد أرضية مشتركة بين الطرفين.

رؤية ترامب للرئيس الشرع ودوره المستقبلي

يقول جوشوا لانديس، خبير الشأن السوري ومدير مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة أوكلاهوما، إن “ترامب كان واضحاً جداً في أنه يحب الرئيس أحمد الشرع، ويعتقد أنه يعمل بجد للتعاون مع أمريكا، والولايات المتحدة تريد لسوريا أن تبقى وتزدهر”. وأضاف ترامب في المؤتمر الصحفي مع نتنياهو أن لدى الولايات المتحدة “تفاهماً بشأن سوريا”، وأن البلاد باتت تقاد برئيس جديد يحظى باحترامه، واصفاً إياه بأنه “قوي”، و”هو ما تحتاجه سوريا في هذه المرحلة”.

مقترحات أمريكية لتهدئة التوترات وفتح قنوات الحوار

السفير فريدريك هوف، أول مبعوث أميركي لسوريا بعد الثورة عام 2011، والخبير بالمجلس الأطلسي، أوضح أن الولايات المتحدة قدمت اقتراحاً يهدف إلى تقليل احتمالية الاشتباكات المسلحة بين دمشق وتل أبيب، وتمهيد الطريق لمحادثات سلام مستقبلية.

يتضمن هذا الاقتراح ثلاثة عناصر رئيسية:

  • انسحاب الجيش الإسرائيلي إلى خطوط وقف إطلاق النار عام 1974.
  • وجود أمني رسمي سوري خفيف جداً في المناطق ذات الأغلبية الدرزية.
  • اتفاق بين الجانبين على إطلاق مفاوضات حول معاهدة أمنية ثنائية تنهي حالة العداء القائمة منذ عام 1948، وتستبدل باتفاق فض الاشتباك الموقّع عام 1974.

هوف يرى أن أي تفاهم سوري إسرائيلي، إن تحقق، لن يكون سوى خطوة تمهيدية نحو مفاوضات سلام أوسع تتطلب معالجة ملف هضبة الجولان.

تحفظات إسرائيلية وشروط مسبقة للاتفاق

لا تزال الخلافات قائمة بين إسرائيل وسوريا بشأن نطاق الاتفاق الأمني المحتمل. يشدد نتنياهو على أن أي تفاهم يجب أن يلزم دمشق بنزع السلاح من المنطقة الممتدة من جنوب دمشق حتى الحدود الإسرائيلية. وفي مقابلة تلفزيونية، أشار نتنياهو إلى “استمرار الشكوك الإسرائيلية حيال النظام السوري الجديد”، معتبراً أن العرض العسكري الأخير للجيش السوري أثار مخاوفهم، خاصة وأن أكثر من نصف المشاركين فيه كانوا من الجهاديين.

نتنياهو أكد وجود “وسائل للحديث مع دمشق، وهذا لم يكن موجوداً مع النظام السابق”، لكنه في الوقت نفسه يطالب بضمانات أمنية قوية.

تصريحات ترامب وتعهدات فضفاضة

الأستاذ ستيفن هايدمان، رئيس قسم دراسات الشرق الأوسط في جامعة سميث، يرى أن تصريحات ترامب بشأن سوريا وإسرائيل تعكس نمطاً معتاداً من التعهدات الفضفاضة التي تفتقر إلى آليات تنفيذ واضحة. وأضاف أن ترامب تحدث عن وجود تفاهم أميركي إسرائيلي حول دمشق دون تقديم تفاصيل، وأن تصوير تل أبيب بوصفها حامية للأقليات في سوريا يُعد طرحاً مرفوضاً لدى دمشق.

الضغط الأمريكي ومصالح واشنطن في المنطقة

الضغط العلني الذي مارسه ترامب على نتنياهو لمنح الحكومة السورية “فرصة أخرى” يعكس رغبة أمريكية في إبقاء دمشق خارج دائرة النفوذ الإيراني. وفي الوقت نفسه، حذر ترامب من أن العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل الأراضي السورية قد تقوّض استقرار الدولة التي استثمرت واشنطن كثيراً في دعمها.

الخبير في الشأن السوري جوشوا لانديس يرى أن ترامب لم يكن واضحاً بشأن طبيعة التفاهم المحتمل بين تل أبيب ودمشق، مكتفياً بالتعبير عن أمله في أن يتوصل الجانبان إلى تفاهم، وأن تسعى الولايات المتحدة إلى تسهيل ذلك.

في عام 2019، اعترف ترامب بسيادة إسرائيل على هضبة الجولان، في خروج عن عقود من الإجماع الدولي الذي اعتبر ضم الأراضي السورية المحتلة إجراء غير قانوني. هذا القرار يعكس التغيرات الكبيرة في السياسة الأمريكية تجاه المنطقة، ويدعم جهود تحقيق تسوية سورية إسرائيلية وفقاً لرؤية الإدارة الأمريكية.

في الختام، يبقى مستقبل العلاقات السورية الإسرائيلية غامضاً، لكن التقارب الأمريكي مع دمشق، والجهود المبذولة لتهدئة التوترات، تفتح آفاقاً جديدة للحوار والتفاوض. من الضروري متابعة التطورات على الأرض، وتحليل المواقف المتغيرة للطرفين، لفهم مدى إمكانية تحقيق تسوية سورية إسرائيلية مستدامة.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version