يهتم المؤرخون باستمرار بدوافع وقرارات الشخصيات التاريخية الكبرى، والإمبراطور الفرنسي نابليون بونابرت ليس استثناءً. يكشف كتاب ديمتري كازالي “نابليون على الأريكة” عن جانب مثير للاهتمام في شخصية نابليون، وهو اهتمامه بالإسلام. هذا الاهتمام لم يكن مجرد استراتيجية سياسية ظرفية خلال حملته المصرية، بل يعود إلى سنوات شبابه، حيث تعمق في دراسة الإسلام وقرأ القرآن الكريم. هذا المقال يستكشف جذور هذا الاهتمام، وكيف وظفه نابليون في سياق طموحاته السياسية والعسكرية، خاصةً في مصر.

اهتمام نابليون المبكر بالإسلام: جذور فكرية

لم يكن اهتمام نابليون بالإسلام وليد اللحظة، بل بدأ في فترة مراهقته. كما يذكر كازالي، أمضى نابليون وقتًا في قراءة القرآن، وفي سن العشرين ألّف رواية بعنوان “قناع النبي” مستوحاة من شخصية الرسول محمد ﷺ. تتناول الرواية قصة رجل متدين يسعى لإحياء مجتمعه. هذا الإنتاج الأدبي المبكر يشير إلى انجذاب فكري لدى نابليون للنموذج القيادي الديني الذي يجمع بين الإيمان والقدرة على التأثير في المجتمعات. هذا الانجذاب لم يختفِ مع مرور الوقت، بل تجلى في أفعاله وتصريحاته لاحقًا، خاصةً خلال فترة حملته على مصر.

نابليون ومصر: استراتيجية سياسية ودينية

عندما بدأ نابليون في التخطيط لحملته على مصر، حرص على رسم صورة مختلفة عن تلك المرتبطة بالغزوات الأوروبية السابقة. فبدلاً من الظهور كغاصب، قدم نفسه كمدافع عن الإسلام ومناصر للمسلمين ضد الظلم المملوكي. هذا التوجه يتضح في بياناته التي سبقت وصول قواته إلى مصر، والتي رصدها المؤرخ الجبرتي بدقة. كان نابليون يدرك أن مصر تمثل مفتاحًا للشرق الأوسط، وأنها شهدت إخفاق الحملتين الصليبيتين الخامسة والسابعة بسبب قوة الدين في المجتمع المصري.

فهم البُعد الديني للمقاومة المصرية

أدرك المستشرقون الفرنسيون، الذين سبقوا نابليون إلى مصر، أهمية البُعد الديني في تشكيل المقاومة الشعبية. اعتبروا أن الدين ليس مجرد ظاهرة روحية هامشية، بل هو قوة فاعلة في المجتمع. في عام 1788، قدم المستشرق الفرنسي فولني تصورًا مهمًا، مؤكدًا أن إخضاع مصر يتطلب خوض ثلاث معارك متزامنة: مع إنجلترا، ومع الدولة العثمانية، والأهم مع المصريين المسلمين أنفسهم. هذا التحليل المبكر يعكس وعيًا فرنسيًا بمركزية الإسلام في المجتمع المصري وقدرته على إثارة المقاومة.

توظيف نابليون للإسلام: خطاب توافقي وشرعية محلية

بدلاً من المواجهة المباشرة مع الدين، اختار نابليون اتباع نهج أكثر ذكاءً، وهو الالتفاف على الدين من خلال خطاب توافقي يهدف إلى توظيفه في خدمة الاحتلال. أدرك أن الصدام المباشر مع الإسلام سيكون مكلفًا للغاية وقد يقضي على فرص نجاحه السياسي والعسكري. في هذا السياق، يذكر المؤرخ الفرنسي فرانسوا شارل-رو أن نابليون نظر إلى النبي محمد ﷺ كشخصية جمعت بين الزعامة الدينية والقيادة السياسية والتشريع، مما دفعه إلى الاهتمام المبكر بالتاريخ والعقيدة الإسلامية.

بيانات نابليون للمصريين: لغة الدين والسياسة

حرص نابليون على مخاطبة المشاعر الدينية للمصريين من خلال بيانات مكتوبة بعناية باللغة العربية. تضمنت هذه البيانات إشارات إلى احترامه للنبي محمد ﷺ والقرآن الكريم، وحتى إعلانات زائفة عن “انضمامه إلى الإسلام” ووصف جنوده بأنهم “مسلمون مخلصون”. كان الهدف من هذه الخطوات هو اكتساب الشرعية المحلية وتقليل حدة الرفض الشعبي للوجود العسكري الفرنسي. كما استغل نابليون مواسم الاحتفالات الدينية، مثل المولد النبوي الشريف، لإظهار مشاركته ودعمه، مما عزز صورته كصديق للإسلام والمسلمين. هذا التوجه يظهر بوضوح في السياسة التي اتبعها في التعامل مع النخب الدينية.

الخلاصة: براغماتية نابليون واستغلاله للدين

على الرغم من أن نابليون أظهر اهتمامًا نسبيًا بالإسلام، إلا أن هذا الاهتمام كان في المقام الأول براغماتيًا ويهدف إلى تحقيق أهداف سياسية وعسكرية. اعترافه بنفسه في منفاه بسانت هيلينا بأن بياناته للمسلمين كانت مجرد “احتيال من أعلى طراز” يكشف عن حقيقة موقفه. لقد كان نابليون من أوائل من أدركوا أهمية توظيف الدين في التجربة الاستعمارية الحديثة، واستخدم الإسلام كأداة للسيطرة على المسلمين ومنع الثورات. دراسة هذه الفترة من التاريخ تلقي الضوء على تعقيدات العلاقة بين الدين والسياسة، وكيف يمكن للقادة استغلال المعتقدات الدينية لتحقيق أهدافهم الخاصة. إن فهم هذه الديناميكيات أمر بالغ الأهمية لفهم التحديات التي تواجه المجتمعات في العالم اليوم، خاصةً فيما يتعلق بالتدخلات الخارجية والبحث عن الشرعية في الداخل.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version