في السنوات الأخيرة، تصاعدت التوترات السياسية والقانونية المتعلقة بمسؤولية الأفراد عن جرائم الحرب. كشفت تحقيقات صحفية حديثة عن تفاصيل مثيرة حول جهود الحكومة الإسرائيلية لحماية مسؤولين إسرائيليين من الملاحقة القضائية في المملكة المتحدة بتهمة ارتكاب جرائم حرب. هذه القضية، التي تتزامن مع إصدار المحكمة الجنائية الدولية مذكرة اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، تثير تساؤلات جوهرية حول سيادة القانون، والولاية القضائية العالمية، والضغط السياسي على الأنظمة القانونية.

حملة إسرائيلية لحماية المسؤولين من الملاحقة القضائية

أظهرت وثائق مسربة حصلت عليها صحيفة “دكلاسيفايد يو كيه” البريطانية أن إسرائيل شنت حملة استمرت لعقد من الزمن بهدف حماية مسؤولين إسرائيليين من الاعتقال في بريطانيا بتهمة ارتكاب جرائم حرب. بدأت هذه الحملة بعد حادثة عام 2005، عندما صدرت مذكرة اعتقال بحق الجنرال الإسرائيلي المتقاعد دورون ألموج فور وصوله إلى مطار هيثرو. تم تحذيره من قبل مسؤول في السفارة الإسرائيلية من مغادرة الطائرة، حيث كانت الشرطة البريطانية تنتظره لتنفيذ مذكرة الاعتقال.

حادثة الجنرال ألموج وتداعياتها

بقي الجنرال ألموج داخل الطائرة لمدة ساعتين قبل أن تعود به الطائرة إلى إسرائيل. رفضت شرطة مكافحة الإرهاب البريطانية اقتحام الطائرة خوفًا من نشوب اشتباك مسلح. هذه الحادثة، التي مثلت أول مذكرة اعتقال في بريطانيا بحق مواطن إسرائيلي بسبب انتهاكات ضد الفلسطينيين، أثارت صدمة في الكنيست الإسرائيلي.

الضغوط الإسرائيلية لتغيير القانون البريطاني

بعد هروب الجنرال ألموج، بدأت الحكومة الإسرائيلية حملة مكثفة للضغط على بريطانيا لتغيير نهجها تجاه قوانين “الولاية القضائية العالمية”. تسمح هذه القوانين بمحاكمة مرتكبي الجرائم الخطيرة، مثل الإبادة الجماعية والتعذيب، في دولة أخرى غير الدولة التي ارتكبت فيها الجريمة. تطورت هذه الممارسة القانونية خلال محاكمات نورمبرغ ضد النازيين.

تسريب وثائق وزارة العدل الإسرائيلية

كشفت رسائل بريد إلكتروني ومذكرات مسربة، نتيجة اختراق لوزارة العدل الإسرائيلية من قبل مجموعة “أنانيموس من أجل العدالة”، أن الهدف من هذه الحملة هو السماح للمسؤولين الإسرائيليين بزيارة بريطانيا دون خوف من الاعتقال، خاصةً أولئك المتهمين بانتهاكات جسيمة ضد الفلسطينيين. أقرت السلطات الإسرائيلية بوقوع “حادث سيبراني” في أبريل/نيسان الماضي، لكنها لم تقدم تعليقًا إضافيًا.

تعديل القانون البريطاني استجابة للضغوط

أشارت وثائق إسرائيلية موجهة لوزارة العدل البريطانية إلى مخاوف بشأن “إساءة استخدام الإجراءات الجنائية” في المملكة المتحدة في قضايا الولاية القضائية العالمية. طالبت إسرائيل بضرورة الحصول على “موافقة المدعي العام” قبل إصدار أي مذكرة اعتقال. استجابت الحكومة البريطانية لهذه الضغوط، ففي سبتمبر/أيلول 2011، أقرت تشريعًا جديدًا يتطلب موافقة مدير النيابات العامة قبل إصدار مذكرات الاعتقال بموجب الولاية القضائية العالمية، وهو ما طلبته إسرائيل تحديدًا. صرح وزير الخارجية البريطاني آنذاك، ويليام هيغ، بأنه “لا يمكننا أن نكون في وضع يشعر فيه السياسيون الإسرائيليون أنهم لا يستطيعون زيارة هذا البلد”.

حماية تسيبي ليفني واستمرار الضغوط

على الرغم من التغييرات القانونية، لم تكن إسرائيل مطمئنة تمامًا. في أكتوبر/تشرين الأول 2011، واجهت وزيرة الخارجية السابقة تسيبي ليفني طلب اعتقال أثناء زيارتها لبريطانيا بتهم جرائم حرب في غزة. بموجب التشريع الجديد، أُرسل الطلب إلى مدير النيابات العامة، كير ستارمر، الذي أظهرت وثيقة إسرائيلية أنه كان “يدرس بجدية” الموافقة على الاعتقال. ومع ذلك، تم تداول الأدلة لفترة كافية لمنح زيارة ليفني صفة “مهمة خاصة”، مما منحها حصانة دبلوماسية مؤقتة.

“الحوار البريطاني الإسرائيلي” والغموض المستمر

استمرت النقاشات رفيعة المستوى حتى عام 2016 مع تأسيس “الحوار البريطاني الإسرائيلي بشأن الولاية القضائية العالمية”. كشفت الملفات عن تعليمات إسرائيلية بضرورة “التأكد من أن الاجتماع لا يخضع لقانون حرية المعلومات”. خلال هذه اللقاءات، واصلت إسرائيل الضغط لإجراء تعديلات إضافية. وأكدت وزارة العدل البريطانية للإسرائيليين أنه “منذ إدخال شرط موافقة مدير النيابات العامة، لم تصدر أي مذكرات اعتقال بحق أي شخص، بما في ذلك الزوار الإسرائيليون”.

انتقادات وتأثير على سيادة القانون

انتقدت هدى عموري، المؤسسة المشاركة لمنظمة “فلسطين أكشن”، هذه التطورات بشدة، واصفة إياها بأنها “إهانة لديمقراطيتنا” وأن الحكومة الإسرائيلية تمتلك القدرة على الضغط على الحكومة البريطانية لتغيير القوانين لصالحها. وأضافت أن النظام البريطاني “يعمل بما يفضل متهمين بارتكاب جرائم حرب على حقوق مواطنيه”.

حتى الآن، تواصل الحكومة البريطانية تقديم شهادات “المهمة الخاصة” للمسؤولين الإسرائيليين، بما في ذلك وزير الحرب بيني غانتس، الذي حصل على حصانة دبلوماسية لزيارة لندن في مارس 2024، وسط استمرار الحرب في غزة. هذه القضية تثير تساؤلات حول مدى استقلالية القضاء البريطاني وتأثير الضغوط السياسية على تطبيق مبدأ الولاية القضائية العالمية. إن مستقبل تطبيق هذه المبادئ القانونية، وقدرة الدول على محاسبة المسؤولين عن جرائم الحرب، يظل موضوعًا حيويًا ومثيرًا للجدل. التحقيقات المستمرة في هذه القضية قد تكشف عن المزيد من التفاصيل حول مدى تدخل إسرائيل في النظام القانوني البريطاني، وتأثير ذلك على مسار العدالة الدولية. من الضروري متابعة هذه التطورات لضمان تحقيق العدالة والمساءلة في حالات جرائم الحرب.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version