رصد علماء فلك حدثًا كونيًا نادرًا يُعتقد أنه أول دليل معروف على ما يسمى بـ **السوبركيلونوفا** (Superkilonova)، وهو انفجار مزدوج يجمع بين نهاية حياة نجم ضخم، المعروفة باسم السوبرنوفا (Supernova)، واندماج نجمين نيوترونيين (Neutron Star Merger) في حدث واحد غير مسبوق. يمثل هذا الاكتشاف المحتمل تقدمًا كبيرًا في فهمنا لتكوين العناصر الثقيلة وتطور النجوم.
بدأت القصة عندما سجل كل من مرصدي ليغو (LIGO) في الولايات المتحدة وفيرغو (Virgo) في إيطاليا تموجات في الزمكان، ناتجة عن اصطدام جسمين كثيفين للغاية يبعدان حوالي 1.8 مليار سنة ضوئية عن الأرض. أثار انتباه الباحثين بشكل خاص أن إحدى الكتلتين المُكتشَفتين كانت أقل من كتلة الشمس، وهو ما يتعارض مع النماذج النظرية الحالية لتشكل النجوم النيوترونية.
ما هي السوبركيلونوفا ولماذا هي مهمة؟
بعد ساعات من رصد الموجات الثقالية/الجاذبية (Gravitational Waves)، أكدت المراصد الأرضية والفضائية وجود توهج ضوئي أحمر باهت وسريع الزوال، وهو ما يتوافق مع ظاهرة كيلونوفا (Kilonova). تُعرف الكيلونوفا بأنها المسؤولة عن إنتاج كميات كبيرة من العناصر الثقيلة مثل الذهب والبلاتين، من خلال عملية اندماج النوى الذرية.
لكن المثير للدهشة هو أن الجسم عاد إلى اللمعان مرة أخرى، وكشف عن وجود الهيدروجين في طيفه الضوئي. وجود الهيدروجين هو سمة مميزة لانفجارات السوبرنوفا، مما أضاف طبقة أخرى من التعقيد إلى هذا الحدث الكوني.
سيناريو الانفجار المزدوج
يقترح العلماء الآن سيناريو جريئًا لشرح هذه الملاحظات المتناقضة. وفقًا لهذا السيناريو، انفجر نجم ضخم في البداية كسوبرنوفا، تاركًا وراءه نجمًا نيوترونيًا يدور بسرعة كبيرة. لاحقًا، ربما بسبب عدم الاستقرار، انقسم هذا النجم النيوتروني أو تشكل قرص من المادة حوله، مما أدى إلى ولادة نجمين نيوترونيين أصغر. اصطدم هذان النجمان النيوترونيان الصغيران في النهاية، مما أدى إلى توليد كيلونوفا داخل بقايا السوبرنوفا الأصلية.
هذا السيناريو يمثل تحديًا للنماذج الحالية، ويتطلب فهمًا أعمق للعمليات الفيزيائية المعقدة التي تحدث في النجوم فائقة الكتلة وفي بيئات الاندماج النيوتروني. تعتبر دراسة هذه الأحداث ضرورية لتحديد المصادر الكونية للعناصر الثقيلة التي تشكل جزءًا أساسيًا من كوكبنا وأنفسنا.
التحديات والتحفظات
على الرغم من الإثارة العلمية المحيطة بهذا الاكتشاف، يتعامل الباحثون معه بحذر شديد. يشير البعض إلى أن جزءًا من إشارة الموجات الثقالية قد يكون ناتجًا عن ضوضاء أرضية أو تأثيرات غير متوقعة في أجهزة الكشف. كما أنهم لا يستبعدون أن يكون التوهج الضوئي المرصود غير مرتبط مباشرة بحدث الاندماج النيوتروني.
لذلك، فإن تأكيد وجود **السوبركيلونوفا** يتطلب رصد أحداث مماثلة في المستقبل، وتحليل البيانات بعناية فائقة، وتطوير نماذج نظرية أكثر دقة. تعتبر الموجات الثقالية والأشعة الكهرومغناطيسية أدوات قوية في هذا المسعى، ولكنها تتطلب تعاونًا دوليًا وجهودًا بحثية مكثفة.
بالإضافة إلى ذلك، فإن فهم دور النجوم النيوترونية في هذه العملية يتطلب دراسة خصائصها الفيزيائية، مثل الكتلة والدوران والمجال المغناطيسي، بدقة أكبر. تساعدنا هذه الدراسات على تحديد الظروف التي يمكن أن تؤدي إلى تشكل **السوبركيلونوفا**، وتقدير معدل حدوثها في الكون.
الخطوات التالية وآفاق المستقبل
من المتوقع أن تركز الأبحاث المستقبلية على البحث عن المزيد من أحداث **السوبركيلونوفا** المحتملة، باستخدام شبكة عالمية من المراصد. سيساعد ذلك في جمع المزيد من البيانات، وتحسين النماذج النظرية، وتأكيد صحة هذا الاكتشاف المثير. كما أن تطوير تقنيات كشف جديدة، أكثر حساسية ودقة، سيلعب دورًا حاسمًا في هذا المجال.
في غضون السنوات القليلة المقبلة، مع تحسين قدرات مرصدي ليغو وفيرغو، ووصول تلسكوبات جديدة إلى الخدمة، من المرجح أن نشهد المزيد من الاكتشافات المتعلقة بـ **السوبركيلونوفا** واندماجات النجوم النيوترونية. ستساهم هذه الاكتشافات في توسيع فهمنا للكون، وكشف أسرار تكوين العناصر الثقيلة، وتحديد مصير النجوم فائقة الكتلة.
على الرغم من أن هذا الاكتشاف لا يزال في مراحله الأولى، إلا أنه يمثل خطوة واعدة نحو فهم أعمق للعمليات الكونية العنيفة التي تشكل عالمنا. يجب على المجتمع العلمي الاستمرار في استكشاف هذه الظواهر الغامضة، والعمل على تطوير أدوات وتقنيات جديدة، لفك رموز أسرار الكون.


