على الورق، يمكن اعتبار طاقة الأمواج مصدراً واعداً للطاقة المتجددة، فالمحيطات تتحرك باستمرار، وتحمل طاقة حركية هائلة يمكن تحويلها إلى كهرباء. لكن التحدي لطالما كان في البيئة البحرية القاسية، حيث الأمواج ليست مجرد حركة ماء، بل قوى متغيرة باستمرار، وتآكل، وعواصف تهدد أي هيكل. لهذا السبب، شهد تاريخ طاقة الأمواج العديد من النماذج الواعدة التي فشلت في الصمود أمام الاختبارات البحرية الصعبة.
في هذا السياق، يبرز مشروع تجريبي باسم “أوشن 2” (Ocean 2) طورته شركة “بانثالاسا” (Panthalassa) الأمريكية، ويعتمد على تصميم كروي كبير يتعامل مع حركة الأمواج بدلاً من مقاومتها. الفكرة الأساسية ليست بناء آلة تحارب البحر، بل آلة تتكيف معه وتستغل تذبذبه لتوليد الكهرباء.
مشروع “أوشن 2” لتوليد طاقة الأمواج
يتكون الجهاز من هيكل كروي بقطر يقارب 10 أمتار، مصنوع من مواد مركبة وسبائك معدنية مصممة لمقاومة التآكل البحري. يعمل الجهاز على تحويل حركة الأمواج إلى طاقة كهربائية من خلال نظام هيدروليكي متكامل.
أعلنت الشركة أن الجهاز، خلال فترة الاختبار، وصل إلى قدرة قصوى تبلغ حوالي 50 كيلوواط في ظروف مواتية. على الرغم من أن هذه القدرة تعتبر صغيرة مقارنة بمحطات توليد الطاقة التقليدية، إلا أنها تمثل إثباتاً للمفهوم وإمكانية تحويل طاقة الأمواج إلى كهرباء.
التجارب البحرية والبيانات المجمعة
خضع الجهاز لتجربة بحرية استمرت ثلاثة أسابيع تقريباً. لم يقتصر الهدف على توليد الكهرباء فحسب، بل أيضاً على اختبار أنظمة الاتصالات عبر الأقمار الصناعية وجمع البيانات اللازمة لتطوير الجيل القادم من هذه التقنية. تعتبر هذه البيانات حيوية لتحسين كفاءة الجهاز ومتانته.
التحديات المستقبلية لطاقة الأمواج
لا يزال المشروع في مرحلة تجريبية، ولم يتم طرحه للاستخدام التجاري بعد. لم تنشر الشركة حتى الآن أية أوراق بحثية مفصلة حول نتائج الاختبارات. ومع ذلك، فإن الفكرة الأساسية تبدو واعدة.
ويرى الخبراء أن الانتقال من نموذج أولي ناجح إلى مصدر طاقة قابل للتطبيق على نطاق واسع يتطلب معالجة عدة تحديات. تشمل هذه التحديات تكاليف الصيانة في البيئة البحرية القاسية، وقدرة النظام على تحمل العواصف الشديدة، والعمر التشغيلي المتوقع للجهاز قبل الحاجة إلى إصلاحات كبيرة، وكيفية ربط هذه الأنظمة بشبكات الكهرباء القائمة أو استخدامها في المواقع النائية.
بالإضافة إلى ذلك، فإن تطوير مصادر الطاقة المتجددة مثل طاقة الأمواج يواجه تحديات اقتصادية ولوجستية. يتطلب الأمر استثمارات كبيرة في البحث والتطوير والبنية التحتية لكي تصبح هذه التقنيات قادرة على المنافسة مع مصادر الطاقة التقليدية.
نظرة مستقبلية
خلال السنوات القادمة، ستكون الإجابة على هذه الأسئلة حاسمة لتحديد ما إذا كانت هذه الفكرة المبتكرة يمكن أن تلعب دوراً مهماً في مستقبل الطاقة النظيفة. من المتوقع أن تقوم شركة بانثالاسا بتحليل البيانات التي تم جمعها خلال التجارب البحرية ونشر نتائجها في وقت لاحق من هذا العام. سيراقب الخبراء عن كثب التقدم المحرز في هذا المشروع، بالإضافة إلى التطورات الأخرى في مجال تكنولوجيا الأمواج، لتقييم إمكانات هذه المصادر المتجددة في المساهمة في تحقيق أهداف الاستدامة العالمية.



