في السنوات الأخيرة، بدا البحر الأبيض المتوسط وكأنه فقد هدوءه المعتاد، ليتحول إلى مسرح لعدة عواصف شديدة التدمير تسببت في خسائر بشرية ومادية كبيرة. وتزايدت التساؤلات حول الأسباب الكامنة وراء هذه الظاهرة، خاصةً مع تكرار عواصف المتوسط وارتفاع منسوب الخسائر. فهل تغير المناخ هو السبب الوحيد، أم أن هناك عوامل أخرى تساهم في هذه الكارثة المتفاقمة؟
في عام 2023، تسببت عاصفة دانيال في انهيار سدود قرب مدينة درنة الليبية، مما أدى إلى مسح أحياء كاملة وخلف آلاف الضحايا وأضرارًا تجاوزت 20 مليار دولار. وفي أكتوبر/تشرين الأول 2024، سجلت فيضانات فالنسيا الإسبانية أرقامًا قياسية في الفتك والدمار بعد تحولها إلى أنهار جارفة. ومطلع هذا العام، أغرقت عاصفة هاري عدة مناطق من الشمال الشرقي لتونس في أسوأ فيضانات منذ سبعة عقود. هذه الأحداث المتتالية دفعت الخبراء إلى البحث عن تفسيرات لهذه الظاهرة المتزايدة.
كيف تتشكل عواصف المتوسط؟
يقول الدكتور عادل صالحي، الأستاذ بجامعة عبد المالك السعدي ومدير شبكة المناخ والبيئة في اتحاد الجامعات المتوسطية، إن المتوسط بات بمثابة “مضخة بخار هائلة” تعمل على مدار الساعة. وأوضح أن ارتفاع درجة حرارة المنطقة بأكثر من درجتين مئويتين منذ ثمانينيات القرن الماضي، يزيد من قدرة الهواء على حمل الرطوبة بنسبة تصل إلى 35-50%.
وعندما تلتقي هذه الرطوبة المتشكلة فوق المتوسط بالمنخفض المعزول، تبدأ حلقة عنيفة من التكاثف والتبخر، مما يطلق طاقة حرارية كامنة هائلة تغذي العواصف ذاتيًا. هذه العملية تتأثر أيضًا بظاهرة النينيو المناخية، التي تدفع بتدفقات من الهواء الساخن نحو الشمال، مما يخلق تموجات في التيارات الهوائية.
من جانبه، أشار الدكتور فريد كرم، الأخصائي اللبناني في الهيدرولوجيا والمناخ، إلى أن ارتفاع درجة حرارة البحر المتوسط يجعله أكثر عرضة للتأثر بالرياح القطبية، مما يزيد من قوة العواصف. التغير المناخي يلعب دورًا محوريًا في هذه العملية، حيث يؤدي إلى زيادة تواتر وشدة الظواهر الجوية المتطرفة.
العوامل المساهمة في قوة العواصف
تتشكل عواصف المتوسط نتيجة تفاعل المنخفضات الجوية مع مياه البحر الدافئة، مما يخلق عدم استقرارًا شديدًا. قد تتعمق بعض المنخفضات لتتحول إلى عواصف عنيفة أو أعاصير. لكن ما يجعل هذه المنخفضات كارثية هو “سكونها”؛ حيث تبقى عالقة فوق منطقة محددة لفترة طويلة، كأنها “خرطوم مياه مفتوح بالكامل فوق بقعة واحدة”، كما يوضح الدكتور صالحي.
الأنشطة البشرية تزيد قوة العواصف التدميرية
لا يقتصر الأمر على العوامل الطبيعية، بل تلعب الأنشطة البشرية دورًا كبيرًا في تفاقم هذه المشكلة. يقول الدكتور صالحي إن السواحل المتوسطية تحولت من “إسفنجة” تمتص الماء إلى “زجاج أملس” يفاقم الجريان. تدهور التربة وفقدان الغطاء النباتي حول الفيضانات يحول السيول المائية إلى أنهار طينية ثقيلة ذات طاقة تدميرية هائلة.
بالإضافة إلى ذلك، يشير الدكتور صالحي إلى ما يسميه “الذاكرة المكانية المزورة” التي خلقتها السدود، حيث دفعت الناس للاستيطان في بطون الأودية ظنًا منهم بالحماية الدائمة. عند انهيار هذه السدود، تتحول إلى سلاح للتدمير. ويؤكد الدكتور كرم أن المشكلة تكمن في اصطدام أمطار مركزة في وقت قصير بمجتمعات وبنى تحتية صُممت دون مراعاة هذه المخاطر.
الاحتباس الحراري يزيد من حدة المشكلة، حيث يؤدي إلى ارتفاع درجة حرارة البحر وزيادة الرطوبة في الغلاف الجوي. كما أن البناء والتمدد العمراني العشوائي في السهول الفيضية والمناطق الساحلية المنخفضة، وردم السواحل وتدمير الأراضي الرطبة، كلها عوامل تساهم في زيادة الخسائر.
يعتبر الدكتور صالحي أن غياب خرائط الخطر المحدثة وفشل ترجمة التنبؤ العلمي إلى قرار سياسي هما السبب الحقيقي وراء الكوارث الإنسانية. ويستشهد بفشل السلطات الإسبانية في فالنسيا، حيث تأخرت التنبيهات الرسمية لأكثر من 12 ساعة رغم تحذيرات الأرصاد.
الحل يكمن في تحديث التشريعات العمرانية، وتحويل المدن إلى “مدن إسفنجية” تعتمد البنية الخضراء لتقليل الجريان. لكن الأهم من ذلك هو تدريب المواطنين على عمليات الإخلاء لردم الفجوة بين العلم والفعل. المواطن المدرب ليس متلقيًا سلبيًا للخطر، بل هو الفاعل الأول في الوقاية.
من المتوقع أن تستمر هذه الظاهرة في التفاقم خلال السنوات القادمة، ما لم يتم اتخاذ إجراءات عاجلة للحد من الانبعاثات الغازية وتقليل الأثر البشري على البيئة. تجري حاليًا دراسات لتقييم المخاطر المحتملة وتطوير خطط للتعامل مع الفيضانات والعواصف المتوقعة. من المقرر أن تعقد قمة إقليمية في شهر سبتمبر/أيلول القادم لمناقشة هذه القضية ووضع استراتيجية مشتركة لمواجهة التحديات المناخية في منطقة البحر الأبيض المتوسط. يبقى التحدي الأكبر في ترجمة هذه الخطط إلى إجراءات فعلية على أرض الواقع.


