في حياتنا اليومية، نتعرض بشكل مباشر لآلاف المركبات الصناعية والزراعية، إلى جانب مواد مضافة في البلاستيك، وكذلك مثبطات اللهب، وهي مواد كيميائية تضاف إلى البلاستيك والأقمشة لتقليل القابلية للاشتعال. وبحسب دراسة جديدة موسعة، نشرت في دورية “نيتشر ميكروبيولوجي”، فقد توصل فريق بقيادة علماء من جامعة كامبريدج إلى أن جزءاً كبيراً من هذه المواد الكيميائية اليومية الشائعة يترك أثراً على ميكروبيوم الأمعاء، حتى لو لم تكن هذه المركبات مصممة أساساً لاستهداف الخلايا الحية.

تُظهر الدراسة، التي أجريت في الأول من يونيو 2026، أن التعرض لهذه المواد قد يؤثر على التوازن الدقيق للبكتيريا والكائنات الحية الدقيقة الأخرى التي تعيش في الجهاز الهضمي. هذا الاكتشاف يثير تساؤلات حول تقييمات السلامة الحالية للمواد الكيميائية المستخدمة على نطاق واسع، والتي غالباً ما تركز على التأثيرات المباشرة على صحة الإنسان دون النظر في تأثيرها على ميكروبيوم الأمعاء.

نتيجة صادمة حول تأثير المواد الكيميائية على ميكروبيوم الأمعاء

قام الفريق البحثي بفحص تأثير 1076 مادة كيميائية على 22 نوعاً مختلفاً من بكتيريا الأمعاء. ولضمان منهجية صارمة، استخدمت الدراسة تركيزاً واحداً في البداية، ثم أعيد اختبار مجموعة فرعية من المواد بتدرجات تركيز مختلفة للتأكد من أن التأثير لا يختفي عند خفض الجرعة.

أظهرت النتائج أن 168 مادة تثبط نمو بكتيريا الأمعاء، وأن معظم هذه المواد لم تكن معروفة سابقاً بخصائصها المضادة للبكتيريا. تعتبر مبيدات الفطريات من بين الفئات الأكثر تأثيراً، حيث أظهرت حوالي 30% من المواد في هذه الفئة نشاطاً مضاداً للبكتيريا.

بالإضافة إلى ذلك، حدد الباحثون مواد ذات تأثير “واسع النطاق”، أي أنها تضر بعدد كبير من أنواع البكتيريا. ومن الأمثلة على ذلك مادة تيترابروموبيسفينول أيه وكلورديكون وبيسفينول أيه إف، والذي يستخدم في بعض تطبيقات البلاستيك. هذه المواد قد تؤثر على التنوع البيولوجي في ميكروبيوم الأمعاء.

تعديلات بكتيرية وآليات المقاومة

أشارت الدراسة إلى أن البكتيريا قد تعدل وظائفها وسلوكها للتكيف مع وجود هذه المواد، ولكن هذه التعديلات مرتبطة بآليات معروفة في حالات مقاومة المضادات الحيوية. وهذا يعني أن التعرض لهذه المواد قد يساهم في زيادة مقاومة البكتيريا، مما يجعلها أكثر صعوبة في القضاء عليها.

تقييم السلامة: نحو منظور شامل

تؤكد الدراسة على الحاجة إلى إعادة النظر في طرق تقييم السلامة الحالية للمواد الكيميائية. غالباً ما تركز هذه التقييمات على التأثيرات المباشرة على صحة الإنسان، مع إهمال التأثيرات المحتملة على ميكروبيوم الأمعاء. يجب أن يشمل تقييم السلامة تقييماً شاملاً لتأثير المواد الكيميائية على الكائنات الحية الدقيقة في الأمعاء.

في هذا الصدد، اقترح الباحثون استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي للتنبؤ باحتمالية تأثير أي مادة كيميائية جديدة على بكتيريا الأمعاء. هذه النماذج يمكن أن تساعد في تحديد المواد التي تتطلب مزيداً من الدراسة والتقييم.

من المهم الإشارة إلى أن الدراسة لا تدعي وجود ضرر حتمي. كمية المواد الكيميائية التي تصل إلى الأمعاء تختلف بشكل كبير وتعتمد على عوامل متعددة مثل الجرعة والامتصاص والتعرض التراكمي والتفاعل مع الغذاء والأدوية. ومع ذلك، فإن النتائج تشير إلى أن هناك حاجة إلى مزيد من البحث لفهم التأثيرات طويلة المدى لهذه المواد على صحة الإنسان.

من المتوقع أن تبدأ الهيئات التنظيمية في مراجعة بروتوكولات تقييم السلامة الحالية في الربع الأخير من عام 2026، مع التركيز بشكل خاص على تضمين تقييم تأثير المواد الكيميائية على ميكروبيوم الأمعاء. سيكون من المهم مراقبة هذه المراجعات وتطورات الأبحاث المتعلقة بهذا الموضوع لتقييم المخاطر المحتملة واتخاذ التدابير اللازمة لحماية الصحة العامة.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version