في ليلةٍ حزينةٍ، تحولت غرفة صفية في مدرسة جالود المختلطة في الضفة الغربية إلى شاهدٍ صامتٍ على العنف والتطرف، بعد أن أضرم مستوطنون متطرفون النار فيها. هذا الحادث، الذي وقع في قرية جالود جنوب نابلس، ليس مجرد عمل تخريبي، بل هو حلقة في سلسلة اعتداءات متواصلة تستهدف الفلسطينيين وتعليمهم ومستقبلهم. يمثل هذا الاستهداف تحدياً كبيراً للوضع التعليمي والأمني في المنطقة، ويثير تساؤلات حول الدوافع الحقيقية وراء هذه الأفعال.
مدرسة جالود: رمز للصمود في وجه الاعتداءات
تقع مدرسة جالود في أعالي جبال جنوب نابلس، وهي المدرسة الوحيدة في القرية التي تضم حوالي 850 نسمة. تأسست عام 1958، ومنذ ذلك الحين، كانت وما زالت منارة للعلم والمعرفة لأجيال من الطلاب، بدءًا من المرحلة التحضيرية وصولًا إلى الثانوية العامة. حاليًا، تضم المدرسة حوالي 200 طالب، وتواجه تحديات جمة بسبب نقص الإمكانيات والتهديدات المستمرة.
الغرفة التي استهدفها المستوطنون المتطرفون كانت مخصصة في الأصل للأنشطة الرياضية واللعب، ولكن بسبب نقص الصفوف، تم تحويلها مؤقتًا إلى وحدة للصف الرابع الأساسي. العبارة التي كُتبت على جدار الغرفة، “حافظ على جمال المكان كما تحب أن تراه”، تحولت إلى سخرية مريرة بعد الحريق الذي دمر كل شيء.
تصاعد وتيرة الاعتداءات: تاريخ من العنف
لم يكن حرق الغرفة الصفية في مدرسة جالود الحادث الأول من نوعه. يؤكد نائب مدير المدرسة، عبد الرحمن منصور، أن المدرسة تعرضت لاعتداءات سابقة، منها حرق خمس مركبات للمعلمين قبل عشر سنوات، ومحاولة اقتحام المدرسة قبل عامين، مما أثار حالة من الخوف والهلع بين الطلاب.
هذه الاعتداءات ليست مقتصرة على المدرسة فحسب، بل تمتد لتشمل القرية بأكملها. رئيس المجلس القروي، رائد الحج محمد، يذكر محاولة المستوطنين إحراق منزل قريب من المدرسة قبل ثلاثة أشهر، بالإضافة إلى عشرات المحاولات الأخرى التي استهدفت منازل القرية خلال العامين الماضيين. كما يشير إلى أن أهالي القرية سمعوا مستوطنين يتحدثون عن تقسيم أراضيهم الواسعة بينهم.
دوافع التطرف: تحليل سياسي واجتماعي
المحلل السياسي سليمان بشارات يربط هذه الاعتداءات المتكررة بالعقلية الأيديولوجية اليهودية المتطرفة، والتي تعتبر الحرق انتصارًا على الفلسطينيين. ويشير إلى أن هذه المنهجية ليست جديدة، فقد بدأت مع إحراق المسجد الأقصى عام 1969، واستمرت في حوادث أخرى مروعة مثل حرق الطفل محمد أبو خضير وعائلة دوابشة.
ويضيف أن الهدف من هذه الأعمال هو إظهار القوة والهيمنة، ونشر الخوف في نفوس الفلسطينيين، بهدف دفعهم نحو التهجير والطرد. كما يرى أن هناك بعدًا آخر يتعلق بمحاولة محو الهوية الفلسطينية، سواء كانت تاريخية أو جغرافية أو وجودية. الاعتداءات على المدارس هي جزء من هذه الحرب الشاملة على الهوية والثقافة الفلسطينية.
تداعيات الحريق: التعليم في خطر
الحريق الذي شب في مدرسة جالود لم يقتصر على تدمير غرفة صفية فحسب، بل ألحق أضرارًا نفسية ومعنوية كبيرة بالطلاب والكادر التعليمي. يشعر المعلمون بالخوف والقلق على مستقبلهم ومستقبل طلابهم، بينما يعيش الطلاب في حالة دائمة من التوتر وعدم الأمان.
مديرية التربية والتعليم أدانت بشدة الاعتداء، واعتبرته استهدافًا مباشرًا للعملية التعليمية وحق الطلاب في التعليم الآمن. وطالبت المؤسسات الحقوقية والدولية بالتدخل العاجل لوضع حد لهذه الاعتداءات المتكررة. محافظ نابلس، غسان دغلس، تعهد بإعادة إعمار ما تم حرقه لضمان استمرار العملية التعليمية.
الاستيطان وتصاعد العنف: علاقة وثيقة
لا يمكن فهم تزايد العنف الاستيطاني في جالود والمنطقة المحيطة بها بمعزل عن التوسع الاستيطاني المستمر. تشير التقارير إلى أن هناك قرابة 10 تجمعات استيطانية تحيط بجالود والقرى المجاورة، وأن الاحتلال اقتطع حوالي 17 ألف دونم من أراضي القرية منذ عام 1975.
هذا الاقتطاع للأراضي أدى إلى تدهور القطاعات الاقتصادية في القرية، مثل الصناعة وتربية المواشي، وساهم في هجرة العديد من الشباب الباحثين عن فرص عمل أفضل. الوضع الاقتصادي الصعب يزيد من الإحباط واليأس، ويجعل القرية أكثر عرضة للاعتداءات الاستيطانية.
الحاجة إلى حماية دولية: مستقبل التعليم في الضفة الغربية
إن حماية المدارس والطلاب والمعلمين في الضفة الغربية تتطلب تدخلًا دوليًا عاجلاً وحازمًا. يجب على المجتمع الدولي ممارسة الضغط على إسرائيل لوقف التوسع الاستيطاني، وضمان احترام حقوق الفلسطينيين في التعليم والحياة الآمنة.
بالإضافة إلى ذلك، يجب على المؤسسات الحقوقية والدولية توثيق هذه الاعتداءات وتقديمها إلى المحاكم الدولية، لمحاسبة المسؤولين عنها. إن صمت المجتمع الدولي على هذه الجرائم يشجع المستوطنين المتطرفين على الاستمرار في العنف والتخريب، ويهدد مستقبل التعليم والأجيال القادمة في فلسطين. يجب على الجميع الوقوف إلى جانب أهالي جالود والقرى الأخرى المتضررة، والتعبير عن تضامنهم معهم في وجه هذا الظلم والعدوان. يجب تسليط الضوء على قضية التعليم في فلسطين وضرورة حمايته من أي تهديدات.


