دخل انسحاب الولايات المتحدة من اتفاق باريس للمناخ حيز التنفيذ رسمياً في 27 يناير/كانون الثاني 2026، بعد إخطار الأمم المتحدة بذلك في العام السابق. يمثل هذا القرار تطوراً هاماً في سياق الجهود العالمية لمكافحة تغير المناخ، ويثير تساؤلات حول مستقبل اتفاق باريس والالتزام الدولي بالحد من ارتفاع درجة حرارة الأرض. الانسحاب يضع ضغوطاً إضافية على الدول الأخرى لتعزيز مساهماتها في خفض الانبعاثات.
اعتمدت الدول اتفاق باريس في ديسمبر/كانون الأول 2015، ودخل حيز التنفيذ عام 2016، كإطار عمل عالمي يهدف إلى مواجهة تحديات تغير المناخ. يعتمد الاتفاق على التزامات وطنية طوعية من كل دولة، مع مراجعة دورية لتقييم التقدم المحرز. الهدف الرئيسي هو الحد من ارتفاع درجة حرارة الأرض إلى أقل من درجتين مئويتين، والسعي جاهدًا للحد منها إلى 1.5 درجة مئوية مقارنة بمستويات ما قبل الصناعة.
معنى الانسحاب من اتفاق باريس
الانسحاب يعني أن الولايات المتحدة لم تعد ملزمة قانونًا بالمساهمة في خفض انبعاثات الغازات الدفيئة بموجب أهداف اتفاق باريس. كما أنه يقلل من قدرتها على المشاركة في عمليات صنع القرار الرئيسية المتعلقة بالاتفاق، بما في ذلك تحديد آليات التمويل والدعم للدول النامية. سيؤثر ذلك على خطط التمويل المناخي العالمية.
وفقًا لبيانات وكالة حماية البيئة الأمريكية، كانت الولايات المتحدة مسؤولة عن حوالي 12% من إجمالي انبعاثات غازات الدفيئة العالمية في عام 2021، حيث بلغت انبعاثاتها حوالي 5798 مليون طن مكافئ من ثاني أكسيد الكربون. يعتبر هذا الرقم كبيرًا، ويؤكد أهمية مشاركة الولايات المتحدة في أي جهد عالمي ناجح للحد من تغير المناخ. تشير التقديرات إلى أن إلغاء الدعم الأمريكي للتحول إلى الطاقة النظيفة ستؤدي إلى زيادة الانبعاثات.
ومع ذلك، يثير الانسحاب تساؤلات حول مستقبل العمل المناخي في الولايات المتحدة. على الرغم من أن الحكومة الفيدرالية قد تخفض التزاماتها، إلا أن العديد من الولايات والمدن والشركات الأمريكية قد أعلنت عن التزامها بتحقيق أهداف اتفاق باريس بشكل مستقل. وهذا يدل على وجود زخم قوي نحو الاستدامة في مختلف القطاعات.
تأثيرات الانسحاب المحتملة
يشير الخبراء إلى أن انسحاب الولايات المتحدة قد يكون له عدة تأثيرات سلبية. أولاً، قد يضعف الثقة في العملية متعددة الأطراف ويصعب التوصل إلى اتفاقات دولية طموحة بشأن المناخ. ثانيًا، قد يقلل من حجم الاستثمارات في التكنولوجيات النظيفة والطاقة المتجددة. ثالثًا، قد يشجع دولًا أخرى على تخفيف التزاماتها البيئية. ومع ذلك، لا يزال هناك أمل في استمرار التعاون بين الدول الأخرى وتعزيز الجهود المبذولة لمواجهة تغير المناخ.
تشابه وتناقض مع اتفاقية الأوزون
هناك مقارنة مفيدة يمكن إجراؤها بين وضع اتفاق باريس وبروتوكول مونتريال لحماية طبقة الأوزون. بروتوكول مونتريال يعتبر قصة نجاح عالمية، حيث تمكنت الدول من التعاون بفعالية للتخلص من المواد الكيميائية الضارة بطبقة الأوزون. ويرجع ذلك إلى وجود أهداف واضحة وملزمة، وآليات قوية للمتابعة والامتثال. في المقابل، يعتمد اتفاق باريس على التزامات طوعية، مما يجعله أقل فعالية.
ولكن من المهم الإشارة إلى أن تحدي تغير المناخ أكثر تعقيدًا من مشكلة الأوزون. تتطلب مكافحة تغير المناخ تحولات جذرية في الأنظمة الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما يمثل تحديًا كبيرًا للدول. ومع ذلك، فإن الدروس المستفادة من بروتوكول مونتريال يمكن أن تساعد في تعزيز فعالية اتفاق باريس.
الخطوات التالية والآفاق المستقبلية
من المتوقع أن تستمر الدول المتبقية في اتفاق باريس في العمل لتحقيق أهدافه. ستركز الجهود على تعزيز الطموح في المساهمات الوطنية، وتعبئة التمويل المناخي، وتوفير الدعم للدول النامية. كما سيتعين على الدول التكيف مع الآثار المتزايدة لتغير المناخ. سيتم تقييم التقدم المحرز خلال مؤتمرات المناخ القادمة. مستقبل اتفاق باريس غير مؤكد، ولكنه يعتمد على استمرار التعاون الدولي والإرادة السياسية.



