على الرغم من افتقارها للدماغ المركزي، كشفت دراسة حديثة عن أن قناديل البحر وشقائق النعمان البحرية تظهر أنماطًا سلوكية تشبه النوم، مما يثير تساؤلات جديدة حول الوظيفة الأساسية لهذه الحالة البيولوجية. وقد أظهرت الأبحاث، التي نُشرت في دورية “نيتشر كومينيكيشنز” في الأول من نوفمبر 2026، أن هذه الكائنات تدخل في حالات راحة تساعد في إصلاح الحمض النووي وحماية الخلايا العصبية.

أظهرت الدراسة أن القنديل المقلوب ينام حوالي ثماني ساعات يوميًا، مع تركيز أكبر على النوم الليلي وقيلولة قصيرة خلال النهار، بينما تنام شقائق النعمان البحرية حوالي ثلث اليوم. وقد أجريت الأبحاث بواسطة فريق دولي من العلماء، الذين قاموا بتربية هذه الكائنات في بيئات معملية خاضعة للرقابة.

كيف أجريت الدراسة حول النوم؟

قام الباحثون بتربية قناديل البحر وشقائق النعمان البحرية في مختبرات مجهزة خصيصًا لضمان ثبات الظروف البيئية. تم الحفاظ على القناديل في ماء بحري صناعي مع درجة حرارة ثابتة ومستويات ملوحة ورقم هيدروجيني مُراقبة بعناية، بينما تم الاحتفاظ بشقائق النعمان في ماء أقل ملوحة ودرجة حرارة منخفضة في ظلام دامس.

ولمراقبة أنماط السلوك المرتبطة بالنوم، استخدم الفريق أجهزة مائية متخصصة مزودة بكاميرات تعمل بالأشعة تحت الحمراء لتتبع حركة كل حيوان على حدة. تم تسجيل نبضات القناديل وحركات شقائق النعمان بدقة، وتحليل البيانات باستخدام برامج متخصصة لتحديد فترات النشاط والراحة.

بالإضافة إلى ذلك، قام الباحثون باختبار استجابة الحيوانات لمحفزات خارجية مثل الضوء والطعام لتحديد ما يُعرف بـ “عتبة الاستيقاظ”، أي مقدار التحفيز المطلوب لإيقاظ الحيوان من حالة الراحة. وقد ساعد ذلك في فهم مدى عمق هذه الحالة وكيف تختلف عن اليقظة الكاملة.

العلاقة بين النوم وإصلاح الحمض النووي

أظهرت التجارب أن الضرر في الحمض النووي للخلايا العصبية يزداد أثناء فترات اليقظة والنشاط، بينما ينخفض بشكل ملحوظ أثناء حالات الراحة التي تشبه النوم. عندما تعرضت الحيوانات للإشعاع فوق البنفسجي، وهو عامل معروف بتسببه في تلف الحمض النووي، لاحظ الباحثون زيادة تلقائية في مدة نومها، مما يشير إلى أن النوم قد يكون آلية دفاعية لإصلاح الضرر.

ولتعزيز هذه النتائج، قام الفريق بإجراء سلسلة من التجارب التي تضمنت تعريض الحيوانات لمركب الميلاتونين، وهو هرمون معروف بتنظيم دورات النوم والاستيقاظ. كما استخدموا دواء “إيتوبوسايد” لإحداث تلف اصطناعي في الحمض النووي لشقائق النعمان، ثم قاموا بمراقبة قدرة الحيوانات على إصلاح هذا الضرر أثناء فترات الراحة.

من خلال تحليل الخلايا العصبية باستخدام صبغات خاصة وتقنيات التصوير المجهري المناعي، تمكن الباحثون من قياس كمية الضرر في الحمض النووي وتتبع عملية الإصلاح أثناء النوم. وقد أكدت النتائج أن النوم يلعب دورًا حاسمًا في الحفاظ على سلامة الحمض النووي للخلايا العصبية.

الآثار المترتبة على فهم النوم ووظائفه

يدعم هذا الاكتشاف الفكرة القائلة بأن الوظيفة الأساسية للنوم ليست مجرد الراحة، بل هي حماية صحة الخلايا العصبية وإصلاح الأضرار التي تحدث خلال النهار. وهذا يفسر لماذا تحافظ جميع الحيوانات تقريبًا، حتى تلك التي تفتقر إلى الدماغ المركزي، على بعض أشكال النوم أو الراحة.

وعلى الرغم من أن الدراسة أجريت على كائنات بحرية بسيطة، إلا أنها تحمل آثارًا مهمة على فهم النوم ووظائفه في البشر. قد تساعد هذه النتائج في تفسير الدور الذي يلعبه النوم في الوقاية من الأمراض العصبية مثل الزهايمر وأمراض التدهور العصبي الأخرى، حيث يتراكم الضرر في الحمض النووي للخلايا العصبية بمرور الوقت.

بالإضافة إلى ذلك، قد تساهم هذه الدراسة في فهم ظاهرة “النوم الجزئي” في الدماغ البشري، حيث تتوقف مناطق صغيرة عن العمل لفترات قصيرة أثناء اليقظة. قد يكون هذا النوع من النوم الجزئي بمثابة آلية لإصلاح الحمض النووي للخلايا العصبية في مناطق معينة من الدماغ.

يخطط الفريق البحثي الآن لتوسيع نطاق دراسته ليشمل كائنات أبسط، مثل الإسفنج الذي لا يملك جهازًا عصبيًا، وكذلك الأسماك الزرقاء، التي تشترك أدمغتها في خصائص مع الدماغ البشري. يهدف الباحثون إلى تحديد الآليات البيولوجية الدقيقة التي تربط النوم بإصلاح الحمض النووي، وفهم كيف تطورت هذه الآليات عبر الأنواع المختلفة. من المتوقع أن يتم نشر نتائج هذه الأبحاث الجديدة بحلول نهاية عام 2027، مما قد يوفر رؤى أعمق حول أهمية النوم لصحة الدماغ والجسم.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version