أثار إعلان فريق بحثي أميركي عن استخراج آثار للحمض النووي من لوحة فنية يُعتقد أنها منسوبة إلى ليوناردو دا فينشي جدلاً واسعاً في الأوساط العلمية والإعلامية. تأتي هذه المحاولة في سياق سعي متزايد لاستخدام التكنولوجيا الحديثة في تحليل الأعمال الفنية القديمة واستخلاص معلومات تاريخية وجينية منها، بما في ذلك دراسة الحمض النووي لفنانين عظماء مثل دا فينشي. النتائج الأولية، على الرغم من كونها محدودة، قد تفتح آفاقًا جديدة في مجال البحث التاريخي والوراثي.
وفي حديث مع الجزيرة نت، أوضح الدكتور يحيى زكريا جاد، أستاذ الوراثة الجزيئية بالمركز القومي للبحوث بمصر، أن الدراسة لا تمثل “اختراقًا علميًا” بالمعنى التقليدي، بل هي محاولة رائدة لوضع منهج علمي يمكن اتباعه في المستقبل. وأشار إلى أن الباحثين أنفسهم كانوا حريصين على الدقة في صياغة نتائجهم، ولم يزعموا العثور على الحمض النووي الكامل لدا فينشي.
العودة إلى أصول البحث في الحمض النووي القديم
تعتمد محاولات استخراج الحمض النووي القديم عادةً على بقايا العظام، مثل عظمة الصخرة، أو الأسنان، أو الأنسجة الرخوة كالشعر. هذه المواد توفر كميات أكبر من الحمض النووي، مما يزيد من فرص الحصول على نتائج دقيقة. ومع ذلك، في حالة ليوناردو دا فينشي، فإن الوصول إلى هذه العينات يواجه صعوبات جمة.
تكمن المشكلة في أن رفات دا فينشي الموجودة في فرنسا ليست مؤكدة بشكل قاطع، بالإضافة إلى أنها مختلطة مع بقايا أشخاص آخرين. كما أن إجراء دراسات وراثية على هذه الرفات يتطلب موافقات قانونية وأخلاقية صارمة، وغالبًا ما يكون الوصول إلى عينات مرجعية للمقارنة محدودًا للغاية. لذلك، لجأ الباحثون إلى تحليل لوحة فنية يُعتقد أنها من أعماله، وهي رسم بالطباشير الحمراء بعنوان “الطفل المقدس”.
أظهرت التحاليل وجود آثار ضئيلة من الحمض النووي البشري على اللوحة، بما في ذلك تسلسلات من “الكروموسوم واي”. هذا الكروموسوم يورث من الأب إلى الابن، ويمكن استخدامه لتتبع السلالات الذكورية عبر الأجيال. قام الباحثون بمقارنة هذه التسلسلات مع تلك الموجودة في رسالة كتبها أحد أقارب دا فينشي الذكور في القرن الخامس عشر.
نتائج التحليل والمقارنة
أظهرت المقارنة أن كلا العينتين تنتميان إلى السلالة الجينية “إي 1 بي 1 بي”، وهي سلالة شائعة في منطقة توسكانا بإيطاليا، مسقط رأس دا فينشي. ومع ذلك، يؤكد الدكتور زكريا أن هذا التطابق لا يثبت بشكل قاطع أن الحمض النووي يعود إلى دا فينشي نفسه، نظرًا لأن هذه السلالة منتشرة بين العديد من الذكور في المنطقة.
بالإضافة إلى ذلك، يشير الدكتور زكريا إلى أن اللوحة نفسها ليست مؤكدة بشكل كامل من أنها من أعمال دا فينشي، وأن هناك احتمالًا للتلوث بالحمض النووي من أشخاص آخرين لمسوا اللوحة على مر القرون. كما أن حجم العينة المستخرجة صغير جدًا، مما يقلل من دقة النتائج.
أهمية الدراسة وتحدياتها المستقبلية
على الرغم من هذه التحديات، يرى الدكتور زكريا أن الدراسة تمثل خطوة مهمة في مجال البحث عن الحمض النووي في الأعمال الفنية القديمة. فهي تضع الأساس لمنهج علمي يمكن استخدامه في المستقبل لتحليل المزيد من اللوحات والتحف الفنية، واستخلاص معلومات وراثية وتاريخية قيمة. وتعتبر هذه الدراسة جزءًا من اهتمام متزايد بالتحليل الجيني القديم (Ancient DNA) لفهم تاريخ البشرية.
تكمن أهمية هذه الدراسة في إمكانية استخدامها لتأكيد أو نفي النسب بين الأفراد والأعمال الفنية، وفهم العلاقات الاجتماعية والثقافية في الماضي. كما يمكن أن تساعد في تحديد هوية الفنانين المجهولين، وتتبع انتشار الأمراض الوراثية عبر الأجيال. وتشمل المجالات ذات الصلة علم الآثار الجزيئي (Molecular Archaeology) وعلم الأنساب الجيني (Genetic Genealogy).
وفي الختام، يتوقع الباحثون أن تشجع هذه الدراسة المسؤولين وأمناء الأرشيف في المتاحف التي تحتفظ بأعمال فنية لدا فينشي على السماح بإجراء المزيد من التحاليل الجينية. ومن المتوقع أن يتم نشر الدراسة بشكل رسمي في مجلة علمية محكمة خلال الأشهر القليلة القادمة، مما سيتيح للعلماء الآخرين فرصة تقييم النتائج ومناقشتها. يبقى التحدي الأكبر هو الحصول على عينات مرجعية موثوقة للمقارنة، وتطوير تقنيات أكثر حساسية ودقة لاستخراج وتحليل الحمض النووي من المواد القديمة.


