تواجه دلتا النيل في مصر تحديًا متزايدًا يتمثل في هبوط الأرض، بالإضافة إلى التهديد المعروف بارتفاع مستوى سطح البحر. كشفت دراسة حديثة، نشرت في 14 يناير/كانون الثاني 2026، أن دلتا النيل تُعد من بين المناطق الأكثر عرضة لخطر الهبوط الأرضي على مستوى العالم، وهي ظاهرة تتسارع بسبب النشاط البشري وتغير المناخ.

اعتمدت الدراسة، التي نشرت في مجلة “نيتشر”، على بيانات الأقمار الصناعية الحديثة، وأظهرت أن أجزاء واسعة من الدلتا تهبط بمعدلات تفوق متوسط ارتفاع مستوى سطح البحر. هذا يعني أن المناطق الساحلية والزراعية في شمال الدلتا تواجه خطر الغمر والتملح بشكل أسرع مما كان متوقعًا، مما يهدد سبل عيش الملايين.

هبوط الأرض في دلتا النيل: أسباب وعواقب

لا يقتصر تأثير هبوط الأرض على التهديد المباشر للمناطق الساحلية، بل يمتد ليشمل البنية التحتية الزراعية والاقتصادية في دلتا النيل. تعتبر الدلتا قلبًا زراعيًا رئيسيًا لمصر، حيث يعتمد عليها جزء كبير من الإنتاج الغذائي المحلي، وتهدد هذه الظاهرة بتقليل الأراضي الصالحة للزراعة وزيادة ملوحة التربة.

وفقًا للدراسة، فإن هذا الهبوط ليس مجرد نتيجة لتغير المناخ وارتفاع مستوى سطح البحر، بل هو تفاقم لمشكلة قائمة بسبب الأنشطة البشرية. تشمل هذه الأنشطة الإفراط في استخراج المياه الجوفية، وتراجع كميات الطمي التي تصل إلى الدلتا بسبب السدود المقامة على نهر النيل، والتوسع العمراني غير المنظم.

ظاهرة عالمية تتطلب حلولاً محلية

يؤكد الباحثون أن هبوط الأرض ليس مشكلة فريدة لمصر، بل هو ظاهرة عالمية تؤثر على العديد من الدلتاوات الكبرى حول العالم. تشمل هذه الدلتاوات دلتا نهر الميكونج في فيتنام، ودلتا الجانج وبراهمابوترا في بنغلاديش والهند، ودلتا النهر الأصفر في الصين.

وتشير التقديرات إلى أن ما بين 350 و500 مليون شخص يعيشون في دلتاوات منخفضة الارتفاع، مما يجعلهم عرضة بشكل خاص لمخاطر ارتفاع مستوى سطح البحر وهبوط الأرض. العديد من هذه المناطق لا يتجاوز ارتفاعها مترين فوق مستوى سطح البحر، مما يزيد من حدة التهديد.

أثر سحب المياه الجوفية والتوسع العمراني

توضح الدراسات أن الإفراط في سحب المياه الجوفية يؤدي إلى انضغاط طبقات التربة وهبوطها، بينما يساهم التوسع العمراني غير المنظم في زيادة الضغط على الأراضي الرخوة في الدلتا. بالإضافة إلى ذلك، فإن بناء السدود يقلل من كمية الرواسب التي تصل إلى الدلتا، مما يمنع تجديد التربة وتعويض التآكل الطبيعي.

يقول الدكتور ليونارد أوهنهن، المؤلف الرئيسي للدراسة وأستاذ علوم الأرض والبيئة الساحلية في جامعة كاليفورنيا، إيرفن، إن “التعامل مع هذه العوامل بشكل متكامل هو أمر ضروري للحد من تأثير هبوط الأرض وحماية المجتمعات المعرضة للخطر.”

التحديات المستقبلية والحلول المقترحة

تتطلب معالجة مشكلة هبوط الأرض في دلتا النيل اتباع نهج شامل يتضمن إدارة مستدامة للموارد المائية، وتنظيم استخدام الأراضي، والاستثمار في البنية التحتية المقاومة للتغيرات المناخية. كما يجب على الحكومة المصرية التعاون مع المنظمات الدولية والخبراء المحليين لتطوير وتنفيذ خطط فعالة للتكيف مع هذه الظاهرة.

تشير التوقعات إلى أن هبوط الأرض سيستمر في التفاقم في السنوات القادمة إذا لم يتم اتخاذ إجراءات عاجلة. من المتوقع أن يتم تقديم تقرير مفصل عن الوضع في الدلتا إلى وزارة الموارد المائية والري في مصر بحلول نهاية عام 2026، والذي سيتضمن توصيات بشأن الإجراءات اللازمة للحد من المخاطر وحماية المجتمعات المتضررة. يبقى التحدي الأكبر هو تحقيق التوازن بين التنمية الاقتصادية وحماية البيئة في هذه المنطقة الحيوية.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version