ليس من المستغرب أن تمارس الكائنات البحرية سلوك التمويه لحماية نفسها، ولكن اكتشافًا حديثًا أذهل العلماء: نوع من الحبار في أعماق المحيط يتنكر كالنبات. هذا السلوك الفريد، الذي تم توثيقه لأول مرة، يثير تساؤلات جديدة حول التكيفات المعقدة في البيئات البحرية العميقة، ويقدم لمحة عن التنوع البيولوجي الهائل الذي لا يزال غير مكتشف.
قاد فريق بحثي بريطاني، يضم خبراء من الجمعية الاسكتلندية لعلوم البحار وجامعة ساوثهامبتون والمركز الوطني لعلوم المحيطات، هذا الاكتشاف المذهل في منطقة “كلاريون–كليبرتون” في المحيط الهادئ. تم رصد الحبار أثناء مسح روتيني لقاع البحر باستخدام مركبة تعمل عن بعد، مما كشف عن طريقة مبتكرة للبقاء على قيد الحياة.
اكتشاف سلوك تمويه فريد لدى الحبار
أثناء المسح، لوحظ الحبار معلقًا رأسًا على عقب في الطين، مع فرد مجساته الطويلة بشكل يشبه النباتات البحرية. أظهرت التحليلات الدقيقة للتسجيلات أن هذا السلوك ليس مجرد صدفة، بل هو استراتيجية تمويه متقنة. يساعد هذا التمويه الحبار على الاندماج في البيئة المحيطة به، مما يجعله أقل وضوحًا للمفترسات المحتملة.
يُعتقد أن هذا الكائن يمثل نوعًا جديدًا من حبار المجسات السوطية (Mastigoteuthidae)، وهي فئة نادرة من رأسيات الأرجل. وقد تم تسجيل 33 مشاهدة فقط لهذه الفئة في منطقة “كلاريون–كليبرتون” خلال الأربعين عامًا الماضية، مما يجعل هذا الاكتشاف أكثر أهمية. يشير هذا الندرة إلى أن هذه الكائنات حساسة بشكل خاص لأي تغييرات في بيئتها.
آلية التمويه المزدوجة
يصف العلماء هذا السلوك بأنه “خدعة مزدوجة” تجمع بين أسلوبين بيولوجيين نادرين. أولاً، التنكر، حيث تحاكي مجسات الحبار سيقان الإسفنج الزجاجي أو المرجان اللين، مما يجعله يبدو كجزء غير حيوي من القاع. ثانيًا، المحاكاة العدوانية، حيث قد يجذب هذا التنكر القشريات الصغيرة التي تتغذى عليها الحبار.
تعتبر هذه الاستراتيجية فعالة بشكل خاص في البيئات العميقة حيث يكون الغذاء نادرًا. من خلال التمويه، يمكن للحبار توفير الطاقة عن طريق الانتظار بصبر حتى يقترب الفرائس منه. بالإضافة إلى ذلك، فإن التمويه يحميه من الحيوانات المفترسة التي قد تبحث عن وجبة سهلة.
تعدين أعماق البحار يثير مخاوف بشأن التنوع البيولوجي
تأتي أهمية هذا الاكتشاف في سياق النقاش المتزايد حول تعدين أعماق البحار في منطقة “كلاريون–كليبرتون”. تعتبر هذه المنطقة غنية بالمعادن القيمة، مثل المنغنيز والكوبالت، والتي تستخدم في صناعة البطاريات. ومع ذلك، فإن التعدين يمكن أن يؤدي إلى تدمير البيئة القاعية، مما يهدد الكائنات الحية التي تعيش فيها.
تحذر الباحثة أليخاندرا ميخيا-ساينز من أننا قد نخاطر بتدمير أنظمة بيئية كاملة قبل أن نفهمها بشكل كامل. وتشير إلى أن اكتشاف سلوكيات جديدة مثل التمويه النباتي يوضح مدى أهمية إجراء المزيد من البحوث قبل البدء في أي عمليات تعدين. تعد هذه الاكتشافات بمثابة تذكير بأن أعماق البحار لا تزال مليئة بالأسرار التي يجب علينا كشفها وحمايتها.
تتجه الأنظار الآن نحو الهيئة الدولية لقاع البحار (ISA)، التي من المقرر أن تتخذ قرارًا بشأن تراخيص التعدين في منطقة “كلاريون–كليبرتون” بحلول عام 2026. من المتوقع أن تأخذ الهيئة في الاعتبار النتائج العلمية الحديثة، بما في ذلك هذا الاكتشاف المذهل، عند اتخاذ قرارها. سيكون من الضروري مراقبة التطورات في هذا المجال لتقييم تأثير التعدين على التنوع البيولوجي في أعماق البحار.



