لطالما أسر صوت الطيور في الصباح الباكر حواس البشر، لكن العلماء يسعون لفهم الآليات البيولوجية الدقيقة وراء هذه الظاهرة. دراسة حديثة، بقيادة عالم الأعصاب ساتوشي كوجيما من معهد كوريا لأبحاث الدماغ، تلقي الضوء على سبب كثافة غناء الطيور عند الفجر، وتكشف أنه ليس مجرد تعبير عن البهجة، بل استجابة فسيولوجية معقدة.
تأتي هذه الدراسة بعد عقود من التساؤلات حول “جوقة الفجر”، وهي الموجة المكثفة من تغريد الطيور التي تصاحب شروق الشمس. على الرغم من ملاحظة هذه الظاهرة لسنوات طويلة، إلا أن تفسيراً قاطعاً ظل بعيد المنال، حيث طرحت العديد من الفرضيات دون دعم تجريبي حاسم.
تأثير التفاعل بين الليل والنهار على غناء الطيور
أظهرت التجارب التي أجراها كوجيما وفريقه أن ذكور طيور الزيبرا تغني بشكل تلقائي ومكثف في وجود الضوء، بينما يظل الغناء غائباً تقريباً في الظلام الدامس. وقد قاموا بتعريض الطيور لظروف إضاءة مختلفة لفهم العلاقة بين الضوء والنشاط الصوتي.
عندما تم تعريض الطيور لضوء ساطع مفاجئ لمدة ثلاث ساعات قبل الفجر الطبيعي، بدأت الطيور بالغناء، ولكن ليس بنفس القوة التي أظهرتها عند ظهور الضوء الطبيعي. في المقابل، عندما ظهر الضوء بعد تأخير ثلاث ساعات، غنت الطيور بشدة أكبر من المعتاد، وكأنها كانت متلهفة لبدء اليوم.
قياس الدافع للغناء
استخدم الباحثون مقياسين رئيسيين لتقييم نشاط الغناء: معدل الغناء الأولي (عدد التغريدات مباشرة بعد التحفيز) وزمن استجابة أول أغنية (الوقت المستغرق لبدء التغريد بعد التحفيز). ووفقاً لكوجيما، فإن ارتفاع معدل الغناء الأولي وقصر زمن الاستجابة يشيران إلى دافع أقوى للغناء.
بالإضافة إلى ذلك، قام الفريق بتجربة أخرى حيث تم تدريب الطيور على الضغط على ذراع للحصول على إضاءة مبكرة. أظهرت الطيور رغبة قوية في الضغط على الذراع بعد فترات طويلة من الظلام، مما يؤكد وجود دافع داخلي قوي للغناء مرتبط بالضوء.
الدافع الداخلي للغناء وآلية “الغناء الارتدادي”
تشير النتائج إلى أن غناء الطيور عند الفجر ليس مجرد استجابة للضوء، بل هو نتيجة لاندفاع قوي بعد فترة من الصمت القسري. كلما طال الفاصل الزمني بين استيقاظ الطائر وظهور الضوء، زادت شدة الغناء.
اكتشف الباحثون ظاهرة “الغناء الارتدادي” – وهي زيادة كبيرة في الغناء بعد كبح الغناء التلقائي لفترة من الوقت – قد تفسر هذه الآلية. عندما تم إطفاء الأنوار خلال النهار، ثم إعادة تشغيلها، غنت الطيور على الفور وبمعدل مرتفع جداً.
دور الكيمياء الداخلية للجسم
يلعب هرمون الميلاتونين دوراً محورياً في تنظيم هذه العملية. ينخفض مستوى الميلاتونين بشكل حاد قبل الفجر، مما يشير إلى استعداد الجسم للنشاط. وقد أظهرت التجارب التي استخدمت عقار “لوزيندول” لتعطيل تأثير الميلاتونين أن الطيور استيقظت وغنت في وقت أبكر.
يبدو أن غناء الطيور في الصباح الباكر يعمل أيضاً كتمرين صوتي. أظهر تحليل أنماط الغناء أن الطيور تغير من شكل أغنيتها بسرعة خلال الساعة الأولى بعد الفجر، مما يشير إلى أنها تستعيد التحكم في عضلات الصوت بعد فترة من الصمت.
تُظهر الأبحاث أن الطيور قد تمارس الغناء أثناء النوم، وأن جوقة الفجر تمثل امتداداً لهذا التدريب الليلي. هذا الغناء المكثف يساعد الطيور على جذب الشركاء، وردع المنافسين، وتعزيز فرص التكاثر خلال النهار.
من المتوقع أن تخضع هذه الدراسة لمراجعة الأقران في الأشهر القادمة، مما قد يؤدي إلى نشر النتائج بشكل رسمي. سيستمر الباحثون في استكشاف الآليات العصبية والهرمونية التي تتحكم في سلوك الطيور، بهدف فهم أعمق لهذه الظاهرة الطبيعية الرائعة. كما سيتم دراسة تأثير العوامل البيئية المختلفة، مثل التلوث الضوئي، على أنماط غناء الطيور.


