بفضل تلسكوب جيمس ويب الفضائي، أصبحت دراسة الثقوب السوداء أكثر تفصيلاً من أي وقت مضى. فقد كشف هذا التلسكوب القوي عن تفاصيل جديدة حول أصول وتطور هذه الأجرام السماوية الغامضة، مما أثار دهشة العلماء وأضاف فصلاً جديداً في فهمنا للكون. اكتشافات هذا العام قدمت رؤى غير مسبوقة حول الثقوب السوداء الفائقة الكتلة في بدايات الكون.
تعتمد قوة جيمس ويب على قدرته الفريدة على رؤية الأشعة تحت الحمراء، مما يسمح له باختراق سحب الغبار الكثيفة التي تحجب مراكز المجرات. هذا مكن الباحثين من رصد ظواهر لم تكن مرئية من قبل، مثل نمو الثقوب السوداء في المراحل الأولى من الكون وتأثيرها على المجرات المحيطة. وقد أدت هذه الملاحظات إلى تحدي بعض النظريات السائدة وفتح آفاقًا جديدة للبحث العلمي.
اكتشافات رائدة في عالم الثقوب السوداء
أحد أبرز هذه الاكتشافات هو رصد ثقب أسود فائق الكتلة في مجرة “كانوكس أل أر دي” (CANUCS-LRD-z8)، والذي يعود إلى زمن مبكر جدًا من عمر الكون. وفقًا لفريق بحثي بقيادة روبرتا تريبودي، ينمو هذا الثقب بسرعة مذهلة، متجاوزًا التوقعات الحالية لطريقة نمو هذه الأجرام الكونية الضخمة. هذا الثقب الأسود ينتمي إلى فئة جديدة من الأجسام الغامضة التي أطلق عليها العلماء اسم “النقاط الحمراء الصغيرة”.
بالإضافة إلى ذلك، نجح الباحثون في تحديد أبعد ثقب أسود فائق الكتلة حتى الآن، والموجود في المجرة “كابرس أل أر دي” (CAPERS-LRD-z9). يبلغ عمر هذا الثقب الأسود حوالي 500 مليون سنة فقط، مما يجعله من أقدم الأجرام التي رصدت في الكون. أشارت النتائج التي توصل إليها أنطوني تايلور وفريقه إلى أن هذه الثقوب السوداء ربما تكونت ونمت بشكل أسرع مما كان يعتقد سابقًا.
ديناميكية الثقوب السوداء وتأثيرها على المجرات
لم يقتصر عمل جيمس ويب على تحديد مواقع الثقوب السوداء، بل امتد ليشمل دراسة سلوكها وتأثيرها على البيئة المحيطة. ففي مجرة درب التبانة، رصد فريق من مرصد شنغهاي الفلكي “أعاصير فضائية” من الغاز تدور حول الثقب الأسود الموجود في المركز، والمعروف باسم “ساجيتاريوس إيه ستار”.
وقد كشفت هذه الأعاصير عن حركة ديناميكية للمادة لم تكن معروفة من قبل، مما ساهم في فهم أفضل لكيفية تفاعل الثقب الأسود مع المجرة. وبالمثل، رصد علماء الفضاء “وميضًا” حراريًا منخفض الطاقة من الثقب الأسود نفسه. أظهرت هذه الظاهرة كيف تنظم الثقوب السوداء وسط المجرات المحيطة بها.
“تجشؤ” الثقوب السوداء وظاهرة العدسة الجاذبية
أظهرت دراسة مفصلة بواسطة وكالة الفضاء الأوروبية (ESA) بقيادة كاميل ديز ما يمكن اعتباره “تجشؤ” للثقب الأسود في المجرة الحلزونية “أن جي سي 3783”. تمثل هذا “التجشؤ” في قذف كميات هائلة من البلازما إلى الفضاء بسرعة تقارب 20٪ من سرعة الضوء. ويساعد فهم هذه العمليات العنيفة في فهم الديناميكيات المعقدة للثقوب السوداء.
ورصد فريق بقيادة توماس كوليت من جامعة بورتسموث ثقباً أسوداً ضخماً، مرشحاً لقيادة قائمة أضخم الثقوب السوداء في الكون. ويرجع ذلك إلى ظاهرة “العدسة الجاذبية” التي تسببها المجرة الأمامية التي تكبّر وتشوّه ضوء المجرة الخلفية، مما يتيح قياس كتلة الثقب الأسود الهائل بدقة. استخدم الباحثون هذا التأثير لتحديد كتلة الثقب الأسود، المقدرة بـ 36 مليار ضعف كتلة الشمس.
تعتبر الثقوب السوداء الفائقة الكتلة من العناصر الأساسية في تطور المجرات، وهي تلعب دورًا حاسمًا في تنظيم نموها وتوزيع النجوم داخلها. وعلاوة على ذلك، فإن دراسة هذه الأجسام تساعدنا في فهم طبيعة الجاذبية والزمكان، وهما من أهم مفاهيم الفيزياء الحديثة. بالإضافة إلى هذا، فقد أرشفت هذه الدراسات معلومات قيمة عن عملية تكون المجرات الأولى.
مع استمرار تلسكوب جيمس ويب في جمع البيانات وتحليلها، يتوقع العلماء المزيد من الاكتشافات المثيرة في مجال الثقوب السوداء. تتضمن الخطوات التالية تحسين دقة القياسات وتوسيع نطاق البحث ليشمل مناطق أبعد من الفضاء، وكذلك تطوير نماذج رياضية جديدة لشرح الظواهر الغامضة التي تم رصدها. من المرجح أن تساهم هذه الجهود في حل العديد من الألغاز المتعلقة بالكون وتاريخه.


