يُعد غاز أول أكسيد الكربون، الناتج عن الاحتراق غير الكامل لغاز البوتاجاز، خطرًا صامتًا يهدد الأرواح، خاصةً خلال فصل الشتاء. وقد تسببت حوادث متكررة في مصر والأردن مؤخرًا، بما في ذلك وفاة أطفال وأسر بأكملها، في تسليط الضوء على مخاطر تسرب غاز البوتاجاز وأهمية اتخاذ الاحتياطات اللازمة. هذه الحوادث المأساوية تذكرنا بضرورة الوعي بمخاطر هذا الغاز السام وكيفية الوقاية منه.

وقعت هذه الحوادث المؤسفة في سياق زيادة استخدام أجهزة التدفئة والماء التي تعمل بالغاز خلال فصل الشتاء، مما يزيد من احتمالية حدوث تسربات. وتؤكد السلطات على أهمية الصيانة الدورية لهذه الأجهزة والتهوية الجيدة للمنازل للحد من هذه المخاطر. وتشير التقارير إلى أن الوفيات الناتجة عن تسمم أول أكسيد الكربون ترتفع بشكل ملحوظ خلال الأشهر الباردة.

بيئة معملية على نطاق أكبر

يشبه الدكتور أحمد الجندي، أستاذ الفيزياء بجامعة تكساس إل باسو، الظروف المحيطة بهذه الحوادث ببيئة التجارب المعملية التي تتطلب إزالة الأكسجين. ويوضح أن عملية إزاحة الهواء بالغاز هي طريقة شائعة في المعامل، وأن ما حدث في الحالات المذكورة يماثل هذه العملية على نطاق أوسع.

ويضيف الدكتور الجندي أن تسخين الغاز يزيد من حركة جزيئاته ويقلل من كثافته، مما يجعله يرتفع ويزيح الهواء البارد. كما أن زيادة الضغط داخل الغرفة المغلقة تدفع الغاز إلى الخارج عبر أي فتحات صغيرة، مثل الفراغات الموجودة أسفل الأبواب.

لماذا تزداد الحوادث شتاء؟

عادةً ما تزداد حوادث تسرب الغاز في فصل الشتاء بسبب عدة عوامل. أولاً، يزداد استخدام سخانات المياه ومدافئ الغاز بشكل كبير. ثانيًا، يميل الناس إلى إغلاق النوافذ والأبواب بإحكام للحفاظ على الحرارة، مما يقلل من تجديد الهواء ويخلق بيئة مغلقة. هذه البيئة المغلقة تزيد من خطر تراكم غاز أول أكسيد الكربون في حالة حدوث تسرب.

بالإضافة إلى ذلك، قد يؤدي الطقس البارد إلى تفاقم المشكلة من خلال تقليل كفاءة الاحتراق في بعض الأجهزة، مما يزيد من إنتاج غاز أول أكسيد الكربون. وتشير الدراسات إلى أن غاز أول أكسيد الكربون يرتبط بالهيموغلوبين في الدم أسرع بكثير من الأكسجين، مما يمنع نقل الأكسجين إلى الجسم ويؤدي إلى الاختناق.

وقد أصدرت السلطات الأردنية توجيهات للجمهور في ديسمبر/ كانون الأول، بعد سلسلة من الوفيات، تدعو إلى تفقد المدافئ قبل تشغيلها والتأكد من سلامة التوصيلات وخرطوم الغاز وصمام الأمان. كما حذرت من تحميل المقابس الكهربائية فوق طاقتها لتجنب حدوث تماس كهربائي أو حريق.

وتشير الأبحاث الطبية إلى أن نسبة الهيموغلوبين الكربوكسي، أي الهيموغلوبين المرتبط بأول أكسيد الكربون، يمكن أن تصل إلى مستويات خطيرة جدًا في حالات التسمم، مما يؤدي إلى نقص حاد في الأكسجين والوفاة. وتؤكد الدراسات على أهمية الكشف المبكر عن تسرب الغاز والتهوية الفورية للمكان.

ولتجنب هذه الحوادث المأساوية، يشدد الخبراء على أهمية تركيب سخانات الغاز في أماكن جيدة التهوية، بعيدًا عن الحمامات المغلقة الصغيرة. كما ينصحون بفتح النوافذ أو الأبواب أثناء تشغيل هذه الأجهزة، واستخدام مداخن أو فتحات تهوية لضمان خروج أي غازات ناتجة عن الاحتراق. والأهم من ذلك، يجب إجراء صيانة دورية لهذه الأجهزة للتأكد من سلامتها وكفاءتها.

من المتوقع أن تصدر وزارة الطاقة والموارد الطبيعية في الأردن تقريرًا مفصلًا عن أسباب حوادث تسرب الغاز الأخيرة في نهاية شهر فبراير/شباط، مع توصيات إضافية لتعزيز السلامة. كما تخطط الحكومة لإطلاق حملة توعية عامة حول مخاطر أول أكسيد الكربون وكيفية الوقاية منه. وستراقب الجهات المعنية عن كثب تطورات الوضع خلال الأشهر القادمة لتقييم فعالية الإجراءات المتخذة وتحديد أي حاجة إلى تدابير إضافية.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version