أصبح صراع جذب العلماء وتأمين التمويل البحثي بين الولايات المتحدة والصين منافسة عالمية، تؤثر على مسارات الباحثين الأكاديميين وتزيد من الحساسية السياسية والأمنية. لم يعد انتقال العلماء للدراسة في الولايات المتحدة ثم الاستقرار فيها أمرًا مفروغًا منه، بل يشهد تحولًا نحو العودة إلى الصين أو البحث عن فرص في دول أخرى. هذا التنافس المتزايد يؤثر بشكل كبير على الهجرة العلمية، ويشكل ملامح مستقبل البحث والتطوير العالمي.
تطورات ملف الهجرة في واشنطن وتأثيرها على العلماء
مع بداية عام 2025، شهد ملف الهجرة في الولايات المتحدة تشديدًا ملحوظًا في الخطاب والتنفيذ. صدر أمر رئاسي بعنوان “حماية الشعب الأميركي ضد الغزو” في 20 يناير/كانون الثاني 2025، يغير عمليات تنفيذ قوانين الهجرة ويربطها بشكل مباشر باعتبارات الأمن القومي والسلامة العامة. هذا الأمر لم يغير النصوص القانونية فحسب، بل أثر أيضًا على سلوك الجهاز التنفيذي اليومي.
وفي يونيو/حزيران 2025، اتخذ التشدد شكلًا أكثر وضوحًا من خلال مسارين متوازيين. الأول هو توسيع التدقيق الأمني في تأشيرات الدراسة والتبادل، حيث أعلنت وزارة الخارجية عن تطبيق تدقيق شامل يشمل النشاط الإلكتروني لجميع المتقدمين، ما يتجاوز المراجعة التقليدية للوثائق الأكاديمية والتمويل. أما المسار الثاني، فتمثل في تجميد مؤقت لمواعيد المقابلات الخاصة بتأشيرات الطلبة والتبادل، استعدادًا لتوسيع فحص وسائل التواصل الاجتماعي.
لاحقًا، في نفس الشهر، أعلنت قيود دخول وإصدار تأشيرات لرعايا دول معينة بسبب “قصور إجراءات التدقيق وتبادل المعلومات”، مما بدأ العمل به في 9 يونيو/حزيران 2025. وفي 19 سبتمبر/أيلول 2025، صدر إعلان رئاسي يقيد دخول حاملي تأشيرة “إتش-1بي” إلا إذا كان الطلب مصحوبًا بدفع 100 ألف دولار لمدة محددة، وهي التأشيرة التي كانت تعتبر أداة جذب للمواهب.
أسباب العودة إلى الصين وتصاعد التنافس
هذه التطورات ليست معزولة، بل تعكس اتجاهًا أعمق بدأ يتشكل منذ سنوات. تحليل بحثي من “مركز ستانفورد لاقتصاد الصين ومؤسساتها” رصد مغادرة أكثر من 19 ألف عالم أميركي إلى دول أخرى، بما فيها الصين، بين عامي 2010 و2021. وقد ارتفعت نسبة من اتجهوا إلى الصين من 48% في 2010 إلى 67% في 2021.
تسعى الصين بشكل استباقي إلى جذب العلماء من خلال توفير تمويل أكبر وأسرع، ومكافآت مالية ومهنية مرتبطة بالمناصب، ومختبرات جديدة مجهزة بأحدث التقنيات. بالإضافة إلى ذلك، تحظى الأساتذة والباحثين بمكانة اجتماعية مرموقة، وهناك وفرة في المساعدين والمتعاونين الأكفاء.
وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة لا تزال تقود الإنفاق على البحث والتطوير، إلا أن الصين تضيق الفجوة بسرعة. ففي عام 2021، أنفقت الولايات المتحدة 806 مليارات دولار، بينما أنفقت الصين حوالي 668 مليار دولار. هذا التقارب يجعل العرض الصيني أكثر تنافسية وجاذبية للعلماء من جميع أنحاء العالم. الهجرة العلمية أصبحت أكثر تعقيدًا.
تأثير مبادرة الصين والبيئة البحثية
أدت مبادرة الصين، التي أطلقتها وزارة العدل الأميركية عام 2018، إلى تفاقم الوضع. تهدف المبادرة إلى مكافحة التهديدات المرتبطة بالصين، لكنها تعرضت لانتقادات واسعة بسبب انحيازها واستهدافها الباحثين الأكاديميين بشكل غير عادل. وفقًا لدراسة منشورة في دورية “يبي إن إيه إس”، فقد خضعت 150 عالمًا على الأقل للتحقيق، ووجهت اتهامات جنائية للعديد منهم.
أظهر استطلاع رأي أجرته مجلة “نيتشر” في مارس/آذار 2025 أن 75% من الباحثين في الولايات المتحدة كانوا يفكرون في مغادرة البلاد بسبب تدهور البيئة البحثية. يشير هذا إلى أن التهديدات المتصورة والقيود المفروضة تؤثر سلبًا على رغبة العلماء في الاستمرار في العمل في الولايات المتحدة.
خطط الصين الجديدة لاستقطاب المواهب
لم تتوقف الصين عند هذا الحد، بل أطلقت مبادرات جديدة لتسهيل قدوم العلماء والباحثين. من بين هذه المبادرات، إطلاق “تأشيرة كيه” في الأول من أكتوبر/تشرين الأول 2025، وهي فئة جديدة من التأشيرات تتيح للعاملين في مجالات العلوم والهندسة والتكنولوجيا الدخول إلى الصين دون الحاجة إلى تأمين وظيفة مسبقًا. هذه التأشيرة تهدف إلى تبسيط عملية الهجرة وتشجيع المزيد من المواهب على القدوم إلى الصين.
تظهر البيانات أن الصين قد تجاوزت الولايات المتحدة في عدد الأبحاث المنشورة سنويًا في مجالات العلوم، خاصةً تلك المنشورة في المجلات عالية التأثير. وفقًا لمؤشر نيتشر، احتلت الصين المرتبة الأولى عالميًا في عام 2025، مع اتساع الفجوة مقارنة بالولايات المتحدة. وتساهم حوالي 27.2% من الأبحاث المنشورة ضمن أفضل 1% عالميًا.
نظرة مستقبلية
من المتوقع أن تستمر الصين في الاستثمار بكثافة في البحث والتطوير، وأن تطلق المزيد من المبادرات لجذب العلماء من جميع أنحاء العالم. في المقابل، قد تواصل الولايات المتحدة فرض قيود على الهجرة، خاصةً في المجالات الحساسة. سيكون من المهم مراقبة تطورات هذه السياسات، وكذلك تأثيرها على المشهد العلمي العالمي. ستظهر ملامح المواجهة بشكل أوضح خلال العام 2026، وتحديدًا مع تقييم تأثير سياسات 2025 المختلفة.


