اكتشف العلماء مؤخرًا تفاصيل معقدة حول “حرب كيميائية” دقيقة تحدث داخل أشجار التنوب، حيث تتفاعل الكائنات الحية باستخدام مركبات كيميائية متطورة للدفاع والهجوم. لا تشمل هذه المعركة الدبابات أو القاذفات، بل تعتمد على تفاعلات كيميائية معقدة بين الشجرة وخنافس اللحاء والفطريات، مما يكشف عن استراتيجيات بقاء مذهلة في عالم الطبيعة.

شجر التنوب هو نوع شائع من الأشجار دائمة الخضرة المخروطية الشكل، وينتشر في الغابات الباردة والمعتدلة عبر مناطق واسعة من أوروبا وآسيا وأمريكا. تستخدم هذه الأشجار على نطاق واسع في صناعة الأخشاب والورق، وتعتبر جزءًا حيويًا من النظم البيئية الغابية. تعتمد أشجار التنوب على مجموعة متنوعة من المركبات الكيميائية للدفاع عن نفسها ضد الآفات والأمراض.

أسرار الكيمياء في دفاعات أشجار التنوب

لطالما عرف العلماء أن أشجار التنوب تحمي نفسها بتركيبة معقدة من المركبات الكيميائية المضادة للفطريات. ومع ذلك، كشفت دراسة جديدة نُشرت في دورية “بي إن إيه إس” (PNAS) عن تفاصيل مذهلة حول كيفية تعامل خنافس اللحاء مع هذه السموم، بل واستغلالها لصالحها. تتناول الدراسة كيف تقوم الخنافس بإعادة تدوير هذه السموم لإنشاء درع واقٍ فعال ضد الفطريات التي تعيش في نفس البيئة.

الكيمياء كشفت للعلماء أسرار هذه العملية على مستوى دقيق. لحاء التنوب غني بالغلوكوزيدات الفينولية، وهي مركبات تساعد الشجرة على مقاومة الممرضات. عندما تتغذى خنافس اللحاء على نسيج اللحاء، فإنها تفكك هذه المركبات، مما ينتج عنه مركبات أخرى تسمى “الأجليكونات منزوعة السكر”. تتميز هذه المركبات بنشاط مضاد للفطريات أعلى، مما يحول دفاع الشجرة إلى طبقة حماية إضافية على جسد الحشرة.

تكيّف الفطريات مع الدفاعات الكيميائية

لكن القصة لم تتوقف عند هذا الحد. هناك فطر معروف باسم “بوفيريا باسيانا” يعتبر خيارًا واعدًا في مجال المكافحة الحيوية للآفات. ومع ذلك، لم تكن فعاليته ضد خنافس اللحاء مرضية كما هو متوقع. تشير الدراسة إلى أن الخنافس محمية بدرع كيميائي “مستعار” من الشجرة، ولكن بعض سلالات الفطر طورت طريقة للتغلب على هذا الحاجز.

اكتشف الباحثون أن الفطر يمتلك آلية فريدة لنزع سلاح هذا الدرع الكيميائي. تتضمن هذه الآلية مسارًا مضادًا يتكون من خطوتين: أولاً، إعادة إضافة السكر إلى الأجليكونات، ثم إضافة مجموعة كيميائية تسمى “الميثيل”. تحول هذه العمليات المركبات السامة إلى مشتقات غير ضارة للفطر. تستقر هذه العمليات الكيميائية في اتجاه واحد، مما يمنع إنزيمات الخنافس من إعادة تفعيل سميتها.

تطبيقات محتملة في المكافحة الحيوية للآفات

قد يبدو هذا الاكتشاف متخصصًا للغاية، ولكنه يحمل تطبيقات مهمة في مجال المكافحة الحيوية للآفات. تعتمد المكافحة الحيوية على استخدام كائنات حية أو منتجاتها الطبيعية لمكافحة الآفات، بدلاً من المواد الكيميائية التقليدية. فهم كيفية تكيّف الكائنات الحية مع الدفاعات الكيميائية للنباتات يمكن أن يساعد في تطوير استراتيجيات أكثر فعالية للمكافحة الحيوية.

تُظهر هذه الدراسة أهمية فهم التفاعلات الكيميائية المعقدة بين الكائنات الحية في البيئة الطبيعية. إن فهم هذه التفاعلات يمكن أن يوفر رؤى جديدة حول كيفية تطوير حلول مستدامة لمكافحة الآفات وحماية الغابات. تعتبر هذه النتائج خطوة مهمة نحو تطوير مبيدات حيوية أكثر فعالية وصديقة للبيئة.

من المتوقع أن يقوم الباحثون بتوسيع نطاق دراستهم في المستقبل القريب لتشمل أنواعًا أخرى من الأشجار والحشرات والفطريات. يهدفون إلى تحديد ما إذا كانت الآليات الكيميائية المكتشفة في أشجار التنوب موجودة أيضًا في أنظمة بيئية أخرى. سيساعد ذلك في فهم أفضل للدور الذي تلعبه التفاعلات الكيميائية في تنظيم المجتمعات البيولوجية. من المقرر نشر نتائج هذه الدراسات الإضافية بحلول نهاية عام 2027.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version