اليوم، ودّعنا رجلاً من رواد الثقافة والإعلام في المملكة العربية السعودية، سعود بن علي الشيخي، المدير السابق لفرع وزارة الثقافة والإعلام. لم يكن رحيله مجرد خسارة لمنصب، بل كان فَقْداً لرمزٍ ثقافي وإنساني، ترك بصمة لا تُمحى في قلوب كل من تعامل معه. رحل بهدوء، تاركاً وراءه إرثاً من العطاء والوفاء، ومجسداً بذلك معنى الإنسانية الحقيقية.
سيرة عطرية: سعود بن علي الشيخي والإعلام السعودي
سعود بن علي الشيخي لم يكن اسماً يعرفه الإعلام فقط، بل عرفه الإنسان قبل كل شيء. كان رجلاً يسبقه بشره وترافقه ابتسامته الصادقة، تلك الابتسامة التي كانت بمثابة بطاقة تعريفه لكل من يقابله. لم يكن يعرف العبوس أو التصلب، بل كان يمتلك قلباً رحباً يسع المحبة والتقدير والاحترام للجميع.
كان سعود الشيخي يرى في العمل رسالة سامية ومسؤولية عظيمة، لا مجرد وظيفة أو منصب. كان يؤمن بأهمية الوقت والجهد، وأن النجاح الحقيقي يكمن في ترك أثر إيجابي في نفوس الآخرين. هذا الإيمان الراسخ جعله محبوباً من زملائه ومحترماً من كل من عرفه، سواء عن قرب أو من بعيد.
دعم الإعلاميين والمواهب الشابة
عرفه الإعلاميون كصديق وفيّ، وأخ قريب من همومهم وطموحاتهم. لم يكن يتدخل في عملهم، بل كان يقدم لهم الدعم والمشورة، ويفتح لهم الأبواب أمام الفرص الجديدة. كان يستمع إليهم قبل أن يتحدث، ويشجعهم على الإبداع والابتكار. بالإضافة إلى ذلك، كان سعود الشيخي حريصاً على مد جسور التواصل بين الأجيال الإعلامية، ونقل الخبرات من القدامى إلى الشباب.
الشيخي والفن: رعاية للإبداع وتقدير للفنانين
لم يقتصر اهتمام سعود بن علي الشيخي على الإعلام، بل امتد ليشمل الفن بكل أشكاله. كان داعماً حقيقياً للفنانين، ومؤمناً بأهمية الفن في بناء المجتمع وتنمية الوعي. كان يحتضن التجارب الشابة، ويساند الأسماء المخضرمة، ويحرص على أن يجد كل مبدع مساحة للتقدير والاعتراف. كان يرى في الفن لغة عالمية، قادرة على التواصل مع الناس من مختلف الثقافات والخلفيات. الرعاية الثقافية كانت جزءاً لا يتجزأ من شخصيته.
ديوانية ثقافية: ملتقى للرواد والمبدعين
تحول منزل سعود الشيخي مع مرور الوقت إلى ديوانية ثقافية وإنسانية مفتوحة، تستقبل الجميع دون استثناء. كانت هذه الديوانية ملتقى للرواد والمبدعين من مختلف المجالات، حيث يجتمعون لتبادل الأفكار والخبرات، وتكريم رموز الإعلام والأدب والثقافة والتربية. لم تكن الديوانية مكاناً للمجاملات الفارغة، بل كانت فضاءً للحوار الصادق والود الحقيقي.
في هذه الديوانية، كان سعود الشيخي ليس مجرد مضيف، بل كان روح المكان وصانع الألفة وحارس القيمة. كان يؤمن بأن تكريم الإنسان هو أعلى درجات الوفاء، وأن الاعتراف بالعطاء واجب لا مجاملة. كان يحرص على أن يشعر كل زائر بالتقدير والاحترام، وأن يجد في الديوانية بيئة دافئة ومريحة.
بصمة تربوية: دعم الطلاب وتعزيز التعليم
لم يغفل سعود بن علي الشيخي عن دوره الأبوي والإنساني في الميدان التربوي. كان داعماً قوياً لأبنائه الطلاب والطالبات في تعليم جدة، يشاركهم في فعالياتهم ومناسباتهم، ويقف إلى جانبهم بالتشجيع والتوجيه. كان لهم الأب الحاني قبل أن يكون المسؤول أو الإداري، فشعروا بقربه واهتمامه وصدق انتمائه لهم. كان يرى في التعليم أساس التنمية والتقدم، وأن الطلاب هم مستقبل الوطن. التعليم في جدة كان يحظى باهتمامه الخاص.
وداعاً يا سعود الشيخي: إرث من العطاء والوفاء
رحل سعود بن علي الشيخي، لكن ابتسامته ما زالت عالقة في الذاكرة، وصوته حاضراً في المواقف، وسيرته تمشي بيننا بكل هدوء ووقار. رحل الجسد، لكن الأثر الذي تركه سيبقى خالداً في قلوبنا وعقولنا. لقد كان سعود الشيخي نموذجاً للإنسان المخلص، الذي وهب حياته لخدمة وطنه وأبنائه.
رحمه الله رحمة واسعة، وجعل ما قدمه في ميزان حسناته، وألهم أسرته ومحبيه ورفاق دربه الصبر والسلوان. سيبقى سعود بن علي الشيخي حاضراً في قلوب من عرفوه، وفي ذاكرة وطن عرف أبناءه المخلصين. لأن بعض الرجال لا يرحلون، بل يتحولون إلى قيمة خالدة.


