في خطوة تاريخية طال انتظارها، وقّع الاتحاد الأوروبي اتفاقية تجارية كبرى مع دول ميركوسور في أمريكا الجنوبية، لتفتح آفاقًا جديدة للتبادل التجاري والاقتصادي بين الجانبين. هذا الاتفاق، الذي استغرق 25 عامًا من المفاوضات المضنية، يمثل نقطة تحول في العلاقات التجارية العالمية، ويؤكد على التزام الاتحاد الأوروبي بـ التجارة الحرة ورفض الحمائية. يهدف هذا الاتفاق إلى تعزيز النمو الاقتصادي وخلق فرص عمل جديدة لكلا الطرفين، مع التركيز على مبادئ التجارة العادلة والمستدامة.

اتفاقية ميركوسور: شراكة استراتيجية بين أوروبا وأمريكا الجنوبية

تم التوقيع على الاتفاقية في أسونسيون، عاصمة باراغواي، بحضور رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا. وأكدت فون دير لاين أن الاتحاد الأوروبي اختار “التجارة العادلة على التعريفات الجمركية”، معتبرةً الاتفاق “شراكة مثمرة طويلة الأجل” بدلًا من الانعزال. من جانبه، وصف كوستا الاتفاق بأنه “رسالة تدافع عن التجارة الحرة القائمة على القواعد، وعن التعددية والقانون الدولي”.

تتضمن دول ميركوسور الأرجنتين والبرازيل وباراغواي والأوروغواي، وتمثل معًا سوقًا ضخمة تضم حوالي 700 مليون شخص. تعتبر هذه الاتفاقية منطقة تجارة حرة واسعة النطاق، حيث ستؤدي تدريجيًا إلى إلغاء حوالي 90% من الرسوم الجمركية على السلع والخدمات والمنتجات الزراعية والصناعية. وتتوقع المفوضية الأوروبية أن يوفر هذا الإلغاء لشركات الاتحاد الأوروبي أكثر من 4 مليارات يورو سنويًا.

حماية المنتجات الأوروبية وتعزيز الإمدادات

بالإضافة إلى تخفيض الرسوم الجمركية، تتضمن الاتفاقية بنودًا مهمة لحماية المنتجات الأوروبية وتعزيز الإمدادات الاستراتيجية. فهي تعترف بـ 344 “مؤشرًا جغرافيًا”، مما يضمن حماية العلامات التجارية والمنتجات الأوروبية التقليدية من التقليد. كما تهدف الاتفاقية إلى تأمين إمدادات المعادن الحيوية، وتقليل اعتماد الاتحاد الأوروبي على مصادر أخرى، وعلى رأسها الصين. هذا الجانب من الاتفاقية يكتسب أهمية متزايدة في ظل التوترات الجيوسياسية المتصاعدة والحاجة إلى تنويع سلاسل الإمداد.

انقسامات داخل الاتحاد الأوروبي حول الاتفاقية

لم يخلُ التوصل إلى هذه الاتفاقية من صعوبات وتحديات داخل الاتحاد الأوروبي. فقد أثارت الاتفاقية انقسامات حادة بين الدول الأعضاء، حيث واجهت معارضة قوية من بعض الدول، وعلى رأسها فرنسا.

يرى المؤيدون، وعلى رأسهم ألمانيا وإسبانيا، أن الاتحاد الأوروبي بحاجة ماسة إلى إقامة علاقات تجارية جديدة، خاصةً في ظل السياسات الحمائية المتزايدة التي تتبعها الولايات المتحدة والصين. ويعتبرون أن اتفاقية ميركوسور فرصة لتعزيز الصادرات الأوروبية وتنويع الأسواق.

في المقابل، يخشى المعارضون، وعلى رأسهم فرنسا، من أن الاتفاقية ستعرض المزارعين الأوروبيين لمنافسة غير عادلة من واردات أمريكا اللاتينية، خاصةً في قطاعات مثل اللحوم والدواجن. ويطالبون بضمانات إضافية لحماية الإنتاج الزراعي الأوروبي.

تنازلات فرنسية وبنود وقائية

ورغم معارضتها الشديدة، لم تتمكن فرنسا من منع توقيع الاتفاقية. لكنها نجحت في الحصول على بند وقائي يسمح بإعادة فرض الرسوم الجمركية إذا ارتفعت نسبة الواردات من ميركوسور بأكثر من 5% في القطاعات الحساسة. كما تم تحديد سقف للواردات السنوية من المنتجات الزراعية الرئيسية، حيث سيتم تحديد واردات لحوم الأبقار بـ 99,000 طن بتعريفة جمركية مخفضة بنسبة 7.5%، بينما ستقتصر واردات الدواجن على 180,000 طن سنويًا. هذه التنازلات تهدف إلى تخفيف المخاوف الفرنسية وحماية مصالح مزارعيها.

الآفاق المستقبلية للاتفاقية: البرلمان الأوروبي والمحكمة العليا

على الرغم من توقيع الاتفاقية، إلا أن الطريق لا يزال طويلاً قبل أن تصبح نافذة المفعول. فالكرة الآن في ملعب البرلمان الأوروبي، الذي يجب أن يوافق على الاتفاقية قبل أن يتم التصديق عليها رسميًا.

من المتوقع أن يشهد البرلمان الأوروبي نقاشات حادة حول الاتفاقية، حيث لا يزال الانقسام قائمًا بين النواب الذين يضعون المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار، وأولئك الذين يؤيدون التجارة الحرة كقيمة أساسية.

ويستعد المعارضون لاختبار قوة الدعم الحكومي للاتفاقية من خلال طرح قرار يدعو إلى الطعن فيها أمام أعلى محكمة في الاتحاد الأوروبي. ويرى هؤلاء أن الاتفاقية قد تنتهك بعض القوانين واللوائح الأوروبية، وأنها قد تضر بالمصالح الأوروبية.

توقعات النمو الاقتصادي والفوائد المتبادلة

تشير التقديرات إلى أن الاتفاقية ستؤدي إلى زيادة كبيرة في حجم التبادل التجاري بين الاتحاد الأوروبي ودول ميركوسور. وتتوقع المفوضية الأوروبية أن ترتفع صادرات الاتحاد الأوروبي إلى دول الميركوسور بنسبة 39% بحلول عام 2040، لتصل إلى 48.7 مليار يورو، بينما ستزيد الواردات من أمريكا اللاتينية بنسبة 16.9%، لتصل إلى 8.9 مليار يورو.

ومع ذلك، يؤكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن “توقيع الاتفاقية لا يمثل نهاية القصة”، مشيرًا إلى أن هناك حاجة إلى مراقبة دقيقة لتنفيذ الاتفاقية والتأكد من أنها تحقق الفوائد المرجوة لكلا الطرفين.

في الختام، تمثل اتفاقية ميركوسور خطوة مهمة نحو تعزيز التجارة الحرة والتجارة العادلة بين أوروبا وأمريكا الجنوبية. ورغم التحديات والانقسامات التي واجهت التوصل إليها، إلا أنها تحمل في طياتها إمكانات كبيرة للنمو الاقتصادي وخلق فرص عمل جديدة لكلا الطرفين. يبقى أن نرى كيف ستتعامل معها المؤسسات الأوروبية، وكيف ستؤثر على مستقبل العلاقات التجارية العالمية.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version