واشنطن تعتبر التعريفات الجمركية أداة جيوسياسية مشروعة وتحذر أوروبا من التصعيد

أدلى الممثل التجاري الأمريكي جيميسون جرير بتصريحات مهمة يوم الثلاثاء، أكد فيها أن إدارة الرئيس ترامب ترى في التعريفات الجمركية أداة جيوسياسية مشروعة، محذراً في الوقت ذاته الحلفاء الأوروبيين من تبعات أي رد فعل انتقامي. يأتي هذا التحذير في ظل تصاعد التوترات حول قضية جرينلاند، والتي تهدد بوقوع حرب تجارية واسعة النطاق عبر الأطلسي. وتعتبر هذه التصريحات بمثابة إشارة واضحة إلى أن الولايات المتحدة مستعدة لاستخدام أدوات اقتصادية للدفاع عن مصالحها الجيوسياسية، حتى لو أدى ذلك إلى تعقيد العلاقات التجارية مع الشركاء التقليديين.

التعريفات الجمركية كجزء من استراتيجية الأمن القومي

في رد على سؤال طرحته “يورونيوز” خلال اجتماع مع مجموعة من الصحفيين في دافوس، أوضح جرير أن التعريفات الجمركية ليست الإجراء الوحيد الذي تلجأ إليه واشنطن، بل هي جزء من مجموعة أدوات أوسع تشمل ضوابط التصدير والعقوبات، والتي تعتبرها الإدارة الأمريكية ضرورية للأمن القومي. وأشار إلى أن الرئيس ترامب يفضل دائماً حل المشكلات من خلال التفاوض، لكنه يرى في التعريفات الجمركية خياراً فعالاً في حال عدم التوصل إلى اتفاق.

اعتراف باستخدام التعريفات لتحقيق أهداف سياسية

لم ينكر جرير أن الرئيس ترامب يستخدم التعريفات الجمركية لتحقيق أهداف جيوسياسية، مؤكداً أن هذا النهج ليس جديداً، وأن الرؤساء السابقين استخدموا أدوات اقتصادية مماثلة في الماضي. وأضاف: “التعريفات الجمركية تعني أننا سنستمر في التجارة، ولكن مع فرض رسوم”. وعندما سُئل عن السيناريو الذي يرفض فيه الطرف الآخر التفاوض، أجاب جرير ببساطة أن ذلك سيؤدي إلى إنهاء المفاوضات.

تحذير أوروبي من تفعيل “أداة مكافحة الإكراه”

وجه جرير تحذيراً صريحاً للاتحاد الأوروبي ضد تفعيل ما يسمى بـ “أداة مكافحة الإكراه”، وهي آلية طوارئ تسمح للاتحاد الأوروبي بتقييد قدرة الشركات الأمريكية على العمل في الأسواق الأوروبية. ووصف هذه الخطوة بأنها “غير حكيمة”، مشدداً على أن كل دولة يجب أن تتصرف بما يخدم مصالحها الوطنية، وأن لكل خيار عواقب. وحذر من أن أي رد فعل أوروبي سيضطر الرئيس ترامب إلى النظر في اتخاذ إجراءات مماثلة، وربما أكثر حدة.

هذا التحذير يأتي بعد دعوات متزايدة من قبل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لتفعيل هذه الأداة، رداً على تهديد ترامب بفرض رسوم جمركية على السلع الواردة من ثماني دول أوروبية، ابتداءً من الأول من فبراير، مع احتمال زيادتها إلى 25% في يونيو، ما لم يتم التنازل عن السيطرة على جرينلاند لصالح الولايات المتحدة.

استهداف محدد للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي

أكد جرير أن القانون الأمريكي يسمح بفرض التعريفات الجمركية على دول أعضاء محددة في الاتحاد الأوروبي، على الرغم من وجود سوق جمركية موحدة. واستشهد بنزاعات سابقة، مثل ضريبة الخدمات الرقمية الفرنسية والدعم الأوروبي لشركة إيرباص، كأمثلة على هذا النهج. وأوضح: “لا أرغب في معاقبة بولندا بسبب خطوة تتخذها فرنسا”، مشيراً إلى أن الإجراءات المستهدفة قد تكون أكثر فعالية من الإجراءات الشاملة التي تؤثر على جميع الدول الأعضاء.

انتقادات للوائح الأوروبية وتأثيرها على الصادرات الأمريكية

انتقد جرير النهج التنظيمي الذي يتبعه الاتحاد الأوروبي، واصفاً إياه بأنه “مرهق وحصري”. وأشار إلى أن هناك جهوداً مستمرة منذ عقود لاستبعاد السلع الأمريكية بشكل فعال من الأسواق الأوروبية، سواء كانت صناعية أو زراعية. وأضاف: “قد يقول الأوروبيون إن هذا الأمر غير متعمّد، إلا أن آليات تطوير المعايير الصناعية والزراعية في أوروبا غالباً ما تستبعد أصحاب المصلحة الأمريكيين”.

معايير السلامة والجودة: جدل مستمر

كما انتقد رفض أوروبا الاعتراف بالمعايير الأمريكية في مجالات مثل السلامة والجودة، معتبراً أنها معادلة للمعايير الدولية. وقال: “سياراتنا آمنة مثل سياراتكم، وطعامنا آمن بالقدر نفسه، غير أن الأوروبيين لا يصدقون ذلك، ولدينا قضايا تثبت أنهم خسروا وكانوا على خطأ”.

تحولات في السياسة التجارية الأمريكية

ألمح جرير إلى احتمال حدوث تحولات في السياسة التجارية الأمريكية، مؤكداً أن الوصول الدائم إلى السوق الأمريكي لن يكون متاحاً لجميع الدول. وقال: “لن يكون السوق الأمريكي متاحاً للجميع بشكل دائم وإلى الأبد كما كان عليه الحال طوال الأعوام الخمسة والعشرين الماضية. لقد تبيّن لنا أن ذلك كان خطأً”. وأشار إلى أنه ينبغي توقع قدر من عدم اليقين ما لم تتجه الشركات إلى التصنيع داخل الولايات المتحدة.

وأوضح أن واشنطن ستراجع بشكل دوري ما إذا كان مستوى الانفتاح التجاري الحالي مناسباً، متخلية عن مفهوم العلاقات التجارية العادية الدائمة التي قامت عليها التجارة العالمية لعقود.

تصعيد التوترات وتأثيرها على قمة دافوس

تأتي هذه التصريحات في وقت يشهد تصعيداً في التوترات التجارية بين الولايات المتحدة وأوروبا، خاصة بعد رسالة الرئيس ترامب إلى رئيس الوزراء النرويجي، والتي ربط فيها بين مطالبه المتعلقة بجرينلاند وفشله في الفوز بجائزة نوبل للسلام. وتستعد رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين وقادة أوروبيون آخرون لعقد قمة استثنائية لمناقشة الرد على طموحات ترامب الإقليمية وتهديداته التجارية. ومن المتوقع أن يلقي الرئيس ترامب خطاباً رئيسياً أمام المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، والذي قد يشكل نقطة تحول في هذه الأزمة.

باختصار، تصريحات جرير تؤكد أن التعريفات الجمركية أصبحت جزءاً لا يتجزأ من استراتيجية الولايات المتحدة، وأنها مستعدة لاستخدامها للدفاع عن مصالحها، حتى لو أدى ذلك إلى تصعيد التوترات مع حلفائها. ويتوقع المراقبون أن الأيام القادمة ستكون حاسمة في تحديد مسار العلاقات التجارية عبر الأطلسي.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version