في تطور لافت، تتجه الأنظار نحو العاصمة الفرنسية باريس، حيث من المقرر أن تستأنف سوريا وإسرائيل مفاوضات سرية تهدف إلى تحقيق استقرار أمني على حدودهما. هذه الجولة الجديدة من الحوار، التي تأتي بتشجيع وضغط أمريكيين، تحمل في طياتها آمالًا في تهدئة التوترات الإقليمية، وربما تمهيد الطريق لتطبيع العلاقات في المستقبل. كلمة السر في هذه العملية هي اتفاق أمني شامل.
استئناف المفاوضات: دفعة أمريكية وحراك دبلوماسي
أفادت مصادر إعلامية، وعلى رأسها موقع “أكسيوس” الأمريكي، بأن مسؤولين سوريين وإسرائيليين كبارًا سيلتقون يوم الاثنين 5 يناير 2026 في باريس. هذا اللقاء يمثل الجولة الخامسة من المفاوضات بين الطرفين، ولكنها الأولى منذ شهرين تقريبًا، مما يعكس أهمية هذه اللحظة بالنظر إلى التطورات الإقليمية المتسارعة.
الضغط الأمريكي، وبشكل خاص من إدارة الرئيس دونالد ترامب، يعتبر المحرك الرئيسي لاستئناف هذه المحادثات. واشنطن ترى في اتفاق أمني بين دمشق وتل أبيب وسيلة لتعزيز الاستقرار في المنطقة، وتقليل النفوذ الإيراني المتزايد في سوريا.
دور توم باراك والتحديات القائمة
يقود هذه المساعي الدبلوماسية مبعوث الرئيس ترامب الخاص إلى سوريا، توم باراك، الذي سيتولى مهمة التوسط في الجولة الجديدة من المفاوضات. يأتي دور باراك بعد جهود سابقة قوبلت ببعض التعثر، ويرجع ذلك بشكل رئيسي إلى الفجوات الكبيرة بين مواقف الطرفين.
استقالة كبير المفاوضين الإسرائيليين السابق، رون ديرمر، كانت عاملاً معيقاً آخر، مما أدى إلى توقف المحادثات خلال الفترة الماضية. والآن، يشرف باراك على فريق تفاوضي إسرائيلي جديد، ما قد يعطي دفعة إيجابية للمفاوضات.
التفاوض السوري الإسرائيلي: فريق جديد ومواقف متباينة
سيشارك في هذه الجولة من المفاوضات أسعد الشيباني، وزير الخارجية السوري في الحكومة الانتقالية، في مواجهة فريق إسرائيلي جديد برئاسة يحيئيل لايتر، السفير الإسرائيلي لدى واشنطن والمقرب من رئيس الوزراء نتنياهو. ويدعم لايتر في هذه المهمة الجنرال رومان غوفمان، المستشار العسكري لنتنياهو والمرشح لرئاسة جهاز الموساد، بالإضافة إلى غيل ريش، مستشار الأمن القومي بالإنابة.
هذا التغيير في الفريق الإسرائيلي قد يشير إلى رغبة في تبني نهج أكثر مرونة، أو إلى تغيير في الأولويات الإسرائيلية. ومع ذلك، فإن التحديات الرئيسية لا تزال قائمة، بما في ذلك مسألة نزع السلاح من جنوب سوريا، وانسحاب إسرائيل من المناطق التي تسيطر عليها داخل الأراضي السورية.
أهداف الاتفاق المقترح ومصالح الأطراف المعنية
يكمن الهدف الرئيسي من المفاوضات في التوصل إلى اتفاق أمني شامل يضمن استقرار الحدود بين سوريا وإسرائيل. يشمل ذلك نزع السلاح من المناطق الجنوبية السورية، مما يمنع أي تهديد أمني لإسرائيل من هذا الاتجاه.
إضافة إلى ذلك، تتطلع إسرائيل إلى الحصول على ضمانات بانسحاب القوات الإيرانية وحلفائها من الأراضي السورية، وهو ما تعتبره شرطًا أساسيًا لتحقيق الاستقرار. وبالطبع، تلعب حماية الأقلية الدرزية داخل سوريا دورًا مهمًا في حسابات إسرائيل.
من جهته، يسعى الجانب السوري إلى استعادة الأراضي التي فقدها بسبب الحرب الأهلية، وفي مقدمتها الجولان المحتل، أو على الأقل الحصول على تنازلات إسرائيلية بشأن هذا الملف. كما يطمح إلى الحصول على اعتراف دولي بشرعية الحكومة الانتقالية.
كواليس اللقاء بين ترامب ونتنياهو
يعود الفضل في استئناف المفاوضات إلى مبادرة مباشرة من الرئيس ترامب ورئيس الوزراء نتنياهو. خلال لقائهما الأسبوع الماضي في منتجع مار إيه لاغو في فلوريدا، شدد ترامب على أهمية التوصل إلى اتفاق أمني مع سوريا في أقرب وقت ممكن.
وعلى الرغم من أن نتنياهو أكد على التزامه بالخطوط الحمراء الإسرائيلية، إلا أنه وافق على الاستمرار في المفاوضات، مستجيبًا للطلب الأمريكي. وأعرب ترامب عن تفاؤله بإمكانية التوصل إلى تفاهم بين إسرائيل والرئيس السوري للمرحلة الانتقالية، أحمد الشرع.
آفاق مستقبلية: نحو تطبيع العلاقات؟
على الرغم من أن المفاوضات لا تزال في مراحلها الأولى، إلا أنها تحمل في طياتها إمكانية تحقيق تقدم كبير في ملف العلاقات السورية الإسرائيلية. إذا نجح الطرفان في التوصل إلى اتفاق أمني، فقد يشكل ذلك خطوة أولى نحو تطبيع دبلوماسي أوسع في المستقبل.
بالطبع، يتوقف تحقيق هذا الهدف على العديد من العوامل، بما في ذلك التطورات السياسية في سوريا، والموقف الإيراني، والتحولات في السياسة الأمريكية. ومع ذلك، فإن استئناف المفاوضات يمثل بارقة أمل في منطقة تشهد الكثير من الصراعات والتوترات.
في الختام، تبقى المفاوضات السورية الإسرائيلية في باريس اختبارًا حقيقيًا للإرادة السياسية لدى الطرفين، وقدرتهما على تجاوز الخلافات العميقة. النجاح في هذه المفاوضات لن يقتصر على تحقيق الاستقرار الأمني، بل قد يفتح الباب أمام حقبة جديدة من العلاقات الإيجابية في المنطقة. تابعوا آخر التطورات حول هذا الموضوع الهام، وشاركوا بآرائكم حول فرص نجاح هذا المسعى الدبلوماسي.


