في أعقاب الأحداث الأخيرة التي شهدتها فنزويلا، وتحديداً العملية العسكرية الأمريكية التي أدت إلى اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو، تثار تساؤلات حول الآثار المترتبة على هذا التحرك ليس فقط على المنطقة، بل وعلى النظام الدولي برمته. تحليل عميق نشرته صحيفة نيويورك تايمز بقلم إم غيسن يلقي الضوء على مغزى هذه العملية، مؤكداً أنها لا تمثل ضربة لروسيا أو الرئيس فلاديمير بوتين، بل على العكس، تخدم مصالحهم وتطلعاتهم في عالم جديد. هذا المقال يستعرض هذا التحليل، مع التركيز على مفهوم “عقيدة دونرو” وما يمثله من تهديد للنظام العالمي.

العملية العسكرية في فنزويلا: قراءة مختلفة للأحداث

العملية العسكرية الأمريكية الأخيرة، التي استهدفت اعتقال الرئيس الفنزويلي، أثارت صدى واسعاً في الأوساط السياسية والدولية. بينما تم تصوير هذه الخطوة على أنها تدخل لدعم الديمقراطية، يرى غيسن أن الدوافع الحقيقية أبعد من ذلك، وتتعلق بالسيطرة على الموارد، وخاصةً النفط الفنزويلي. الكاتب يجادل بأن هذا التدخل يمثل تحولاً خطيراً نحو منطق القوة وهيمنة المصالح، وتجاهل للقانون الدولي وحقوق الإنسان. ويشير إلى أن هذا الأمر، بدلًا من أن يضعف روسيا، يعزز موقفها وقدرتها على فرض أجندتها الخاصة.

عقيدة دونرو: ولادة نظام عالمي جديد؟

يُشكّل مفهوم عقيدة دونرو محور هذا التحليل. هذه العقيدة، بحسب غيسن، هي مزيج بين اسم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب و”عقيدة مونرو” التاريخية. فبينما هدفت عقيدة مونرو الأصلية، التي طرحها الرئيس جيمس مونرو عام 1823، إلى الحفاظ على نفوذ الولايات المتحدة في نصف الكرة الغربي ومنع التدخل الأوروبي، فإن “عقيدة دونرو” تُعيد صياغة هذه الفكرة بطريقة أكثر أنانية وعدوانية.

جوهر عقيدة دونرو: الصفقات والإكراه

جوهر “عقيدة دونرو” يرتكز على دبلوماسية الصفقات والمكافآت والعقوبات. فهي تكافئ الحكومات التي تتوافق مع مصالح ترامب وتعاقب تلك التي تتحدى سياسته. هذا النهج، الذي تم تحليله في مقال سابق بصحيفة نيويورك تايمز في نوفمبر 2025، يُظهر رغبة واضحة في الهيمنة على نصف الكرة الغربي، وليس مجرد تعزيز المصالح الأمريكية.

ويرى غيسن أن اعتقال مادورو قد يكون مقدمة لعالم يتم فيه تقسيم مناطق النفوذ بين القوى الكبرى: ترامب لأمريكا اللاتينية، وبوتين لأوروبا، وشي جين بينغ لتايوان. وهذا التقسيم يتم دون مراعاة لإرادة الشعوب أو سيادة الدول.

تداعيات العملية على النظام الدولي

العملية الأمريكية في فنزويلا تحمل في طياتها تداعيات خطيرة على النظام الدولي القائم بعد الحرب العالمية الثانية. هذا النظام، وإن لم يكن مثالياً، فقد وفر آليات للمساءلة وحماية لحقوق الإنسان، وفتح آفاقاً للحرية والكرامة لملايين البشر. ولكن، مع لجوء الولايات المتحدة إلى أفعال تخالف القانون الدولي، فإن هذا النظام يتآكل بسرعة.

الكاتب يوضح أن النظام الدولي كان يعاني من ضعف المؤسسات وتدخل الدول الكبرى في شؤونه، إلا أن هذه العملية تمثل بداية لتطبيق شريعة الغاب بشكل علني. فإذا كانت واشنطن تبيح لنفسها غزو عواصم واختطاف رؤساء من أجل الحصول على النفط، فإنها بذلك تفتح الباب أمام روسيا والصين لاتباع نفس النهج في مناطق نفوذهما. وهذا يُشكل تهديداً مباشراً للاستقرار العالمي.

أوجه التشابه بين منطق ترامب وبوتين

يسلط غيسن الضوء على أوجه التشابه المثيرة للقلق بين خطاب ترامب وخطاب بوتين. فكلاهما يبرر تدخلاته وضم الأراضي بلغة “التحرير” و”السيادة”. كما أن كلاهما ينظر إلى الدول على أنها مجرد مستودعات للثروات، وليس مجتمعات ذات كيان مستقل وحقوق متساوية.

هذا المنطق، وفقاً للكاتب، ليس وليد اللحظة بالنسبة لبوتين، الذي تربى في الحقبة السوفياتية على فكرة أن أمن الاتحاد السوفياتي يتطلب السيطرة على المناطق الاستراتيجية. ولكنه يرى أن ترامب يعيد إنتاج هذا المنطق بوضوح، مما يزيد من خطورة الوضع. العملية في فنزويلا، على هذا النحو، ليست مجرد صراع على النفط، بل هي تجسيد لصراع أيديولوجي حول طبيعة النظام العالمي.

الخلاصة: هل تشهد فنزويلا بداية حقبة جديدة؟

باختصار، يرى غيسن أن العملية العسكرية الأمريكية في فنزويلا لا تمثل انتصاراً للقيم الديمقراطية، بل هي خطوة نحو عالم تحكمه القوة والفوضى. عقيدة دونرو، كما يصفها، تُقوّض النظام الدولي القائم وتعزز طموحات القوى التوسعية مثل روسيا والصين.

فبدلاً من إضعاف بوتين، فإن اعتقال مادورو يثبت صحة رؤيته للعالم ويمنحه دفعة قوية لمواصلة سياساته العدوانية. لذلك، فإن مستقبل النظام الدولي يعتمد على ما إذا كانت واشنطن ستعيد النظر في هذا النهج وتلتزم بالقانون الدولي وحقوق الإنسان، أم أنها ستستمر في السير على طريق المواجهة والتصعيد. هذا التحليل يدعو إلى تأمل نقدي في الأحداث الجارية وتقييم شامل لآثارها بعيدة المدى على السلام والأمن العالميين، ويدعو القارئ إلى البحث عن مصادر متنوعة لفهم هذه القضية المعقدة.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version