تصعيد التوترات في حلب: الجيش السوري يطالب القوات الكردية بالانسحاب شرق الفرات
في تطورات متسارعة للأحداث في سوريا، طالب الجيش السوري قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بالانسحاب من المناطق الواقعة شرق مدينة حلب باتجاه نهر الفرات. يأتي هذا الطلب بعد أيام قليلة من إعلان الجيش السوري استعادة السيطرة الكاملة على حلب، ويشكل تصعيدًا جديدًا للتوترات المتزايدة بين الطرفين. هذا التطور يثير مخاوف بشأن مستقبل الاستقرار في المنطقة، خاصة مع تداخل المصالح الإقليمية والدولية. الانسحاب الكردي من حلب أصبح محورًا رئيسيًا للمناقشات السياسية والعسكرية.
خلفية الاشتباكات في حيي الشيخ مقصود والأشرفية
بدأت الأحداث الأخيرة باشتباكات عنيفة بين الجيش السوري والقوات الكردية في حيي الشيخ مقصود والأشرفية، وهما منطقتان ذات غالبية كردية داخل مدينة حلب. أسفرت هذه الاشتباكات عن مقتل ما يقرب من 23 شخصًا ونزوح أكثر من 140 ألف مدني، مما أدى إلى أزمة إنسانية متفاقمة.
أسباب الصدام
تعتبر قسد أن الهجوم على الحيين كان بمثابة “مؤامرة كبيرة” تهدف إلى جر المنطقة إلى حرب شاملة. بينما يرى الجيش السوري أن وجود قسد في هذه المناطق يمثل تهديدًا لأمن المدينة واستقرارها. هناك أيضًا اتهامات متبادلة باستغلال الوضع من قبل عناصر تابعة لحزب العمال الكردستاني (PKK) وفلول النظام السابق، مما يزيد من تعقيد المشهد.
البيان العسكري و”المنطقة العسكرية المغلقة”
أصدر الجيش السوري بيانًا رسميًا عبر التلفزيون السوري، يطالب فيه جميع المجموعات المسلحة بالانسحاب إلى شرق الفرات. وأعلن البيان أن المنطقة الواقعة شرق حلب وصولاً إلى نهر الفرات تعتبر “منطقة عسكرية مغلقة”. وقد نشر الجيش خريطة توضح المناطق المحددة التي يجب على قسد الانسحاب منها، والتي تشمل بلدات مسكنة وبابيري وقواس ودير حافر.
البيان أكد أيضًا على ضرورة ابتعاد المدنيين عن مواقع قسد في المنطقة المذكورة، في إشارة إلى استعداد الجيش السوري لعمل عسكري محتمل. هذا الإجراء يهدف إلى تأمين المنطقة ومنع أي تحركات مستقبلية قد تهدد الاستقرار.
تعزيزات عسكرية واتهامات متبادلة
ردًا على ما وصفه باستقدام قسد لحشود مسلحة إلى المنطقة، بدأ الجيش السوري بإرسال تعزيزات جديدة إلى نقاط انتشاره في دير حافر ومسكنة بريف حلب الشرقي. وقالت مصادر عسكرية سورية إن المعلومات الاستخباراتية تشير إلى وصول عناصر من حزب العمال الكردستاني (PKK) وفلول النظام السابق إلى المنطقة، واعتبرت هذه التحركات “تصعيدًا خطيرًا سيقابل برد عسكري عنيف”.
من جانبها، نفت قسد بشكل قاطع صحة هذه الادعاءات، واصفة إياها بـ “المضللة ولا أساس لها من الصحة”. وأكدت قسد أنها لم تقم بأي تحركات أو تحشيدات عسكرية في محيط مسكنة ودير حافر. هذا التناقض في التصريحات يعكس عمق الخلاف وعدم الثقة بين الطرفين.
قسد والسيطرة على حقول النفط والغاز
تسيطر قوات سوريا الديمقراطية (قسد) على مساحات واسعة في شمال وشرق سوريا، بما في ذلك أهم حقول النفط والغاز في البلاد. وقد لعبت قسد دورًا حاسمًا في مواجهة تنظيم “داعش”، حيث تمكنت بدعم من التحالف الدولي بقيادة واشنطن من دحر التنظيم من آخر معاقله في سوريا عام 2019.
هذه السيطرة على الموارد الطبيعية تمنح قسد نفوذًا اقتصاديًا وسياسيًا كبيرًا، وهو ما يثير قلق دمشق التي تسعى لاستعادة السيطرة الكاملة على جميع الأراضي السورية. الوضع في شمال سوريا معقد للغاية ويتأثر بالعديد من العوامل الداخلية والخارجية.
التوترات السياسية والمطالب الكردية
بعد إطاحة حكم بشار الأسد، أبدت القوات الكردية مرونة تجاه السلطة الجديدة ورفعت العلم السوري في مناطقها. ومع ذلك، فإن تمسكها بنظام حكم لامركزي وتثبيت حقوقها في الدستور لم يحظَ باستجابة من دمشق، مما ساهم في تصاعد التوترات.
تطالب القوات الكردية بحكم ذاتي موسع في مناطقها، مع ضمان حقوقهم الثقافية والسياسية. بينما تصر الحكومة السورية على وحدة الأراضي السورية ورفض أي شكل من أشكال الانفصال أو اللامركزية. هذا الخلاف الجوهري يمثل عقبة رئيسية أمام تحقيق السلام والاستقرار في سوريا.
تداعيات الاشتباكات الأخيرة وأعمال العنف الطائفية
تأتي الاشتباكات الأخيرة في حلب في سياق أعمال عنف طائفية شهدتها سوريا خلال الأشهر الماضية. وشملت هذه الأعمال هجمات على الأقلية العلوية في الساحل السوري في مارس/آذار، والأقلية الدرزية في جنوب البلاد في يوليو/تموز. وقد نفذت إسرائيل حينها ضربات على دمشق قالت إنها دعماً للدروز.
هذه الأحداث تؤكد هشاشة الوضع الأمني في سوريا، وتثير مخاوف بشأن اندلاع صراع طائفي واسع النطاق. الأزمة السورية لا تزال بعيدة عن الحل، وتتطلب جهودًا دولية مكثفة لتهدئة التوترات وإيجاد حل سياسي شامل.
في الختام، يمثل طلب الجيش السوري بقوات قسد بالانسحاب من المناطق الشرقية لحلب تصعيدًا خطيرًا للتوترات في سوريا. يتطلب هذا الوضع معالجة دقيقة وحوارًا بناءً بين جميع الأطراف المعنية، مع الأخذ في الاعتبار حقوق ومصالح جميع المكونات السورية. من الضروري تجنب المزيد من التصعيد العسكري والتركيز على إيجاد حل سياسي يضمن الاستقرار والسلام الدائمين في البلاد. تابعوا آخر التطورات حول الأحداث في سوريا على يورونيوز.


