في خطوة جريئة ومثيرة للجدل، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن تأسيس “مجلس السلام”، وهو كيان دولي جديد يهدف إلى إعادة تشكيل آليات حل النزاعات العالمية. هذا الإعلان، الذي وُصف بأنه “إعادة رسم للنظام الدولي”، يأتي بعد فترة من الانتقادات الموجهة للأمم المتحدة، ويطرح بديلاً جديداً، وإن كان مثيراً للأسئلة، للتعامل مع الأزمات الدولية، بدءاً من غزة وصولاً إلى مناطق أخرى تشهد اضطرابات. مجلس السلام، كما يطمح ترامب، سيكون أكثر فاعلية وسرعة في الاستجابة للتحديات الأمنية والإنسانية.
أصول المجلس: من غزة إلى العالم
بدأت فكرة مجلس السلام كآلية للإشراف على إعادة إعمار قطاع غزة بعد الصراع الأخير، كجزء من خطة أوسع نطاقاً لإنهاء الحرب. سرعان ما توسع نطاق الطموحات ليشمل العمل من أجل تحقيق السلام على المستوى العالمي، مع التركيز على معالجة النزاعات بطريقة أكثر مباشرة ومرونة من تلك التي تتبعها الأمم المتحدة.
يُعد المجلس أحد أربعة هياكل رئيسية لإدارة مرحلة انتقالية في غزة، إلى جانب اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة غزة، والمجلس التنفيذي لغزة، وقوة الاستقرار الدولية. هذا التركيز الأولي على غزة يعكس الأهمية الاستراتيجية التي يوليها ترامب لهذه القضية، ورغبته في إيجاد حلول عملية وسريعة.
هيكل السلطة والتمويل: نموذج جديد أم تكرار للعيوب؟
سيتولى الرئيس ترامب رئاسة مجلس السلام، وقد تم تشكيل مجلس تنفيذي تأسيسي يضم قادة ذوي خبرة في مجالات متنوعة مثل الدبلوماسية والتنمية والبنية التحتية والاستراتيجية الاقتصادية. هذا التشكيل يهدف إلى ضمان أن يكون المجلس قادراً على التعامل مع جميع جوانب النزاعات، من الأسباب السياسية إلى التداعيات الاقتصادية والإنسانية.
أحد أبرز جوانب هذا الكيان الجديد هو هيكله التمويلي. على عكس الأمم المتحدة التي تعتمد على مساهمات الدول الأعضاء بناءً على قدراتها الاقتصادية، يعتمد مجلس السلام على مبدأ “الدفع مقابل العضوية”. تطلب الإدارة الأمريكية من الدول الراغبة في الانضمام دفع مساهمة مالية كبيرة، قد تصل إلى مليار دولار، مقابل الحصول على مقعد دائم. هذا المبلغ يضمن للدول المشاركة دوراً محورياً في صنع القرار، ويجعلها “شريكاً في الملكية” وليس مجرد عضو مراقب.
ميزانية ضخمة واستقلالية مالية
يُقدر حجم الميزانية التأسيسية لـ مجلس السلام بـ 50 مليار دولار كحد أدنى، يتم جمعها من رسوم العضوية والاستثمارات المباشرة من الصناديق السيادية للدول الأعضاء. يهدف هذا التصور إلى خلق “صندوق سلام” مستقل تماماً، يعمل بآليات السوق، حيث يتم استثمار الأموال في مشاريع إعادة الإعمار وتوليد الأرباح لضمان استدامة العمليات الإدارية.
نظام التصويت المرجح
يعتمد المجلس نظام “الأصوات المرجحة”، حيث تتناسب قوة التصويت للدولة مع حجم مساهمتها المالية. الدول التي دفعت مليار دولار أو أكثر تمتلك “كتلة تصويتية” كبرى تتيح لها الاعتراض على المشاريع أو تمريرها. الدول التي تقدم مساهمات إضافية أو تتولى مهام أمنية ميدانية تحصل على “أصوات ترجيحية” إضافية في القرارات المتعلقة بتلك المناطق. لا يوجد حق فيتو مطلق، ولكن هناك ما يسمى “إجماع الممولين الكبار”، مما يعني أن أي قرار ضخم يتطلب موافقة الدول التي تساهم بأكثر من 50% من ميزانية المجلس.
الدول المشاركة والتحفظات الدولية
أعلنت ثماني دول عربية وإسلامية، من بينها السعودية وقطر، موافقتها على الانضمام إلى مجلس السلام. جاء هذا الإعلان في بيان مشترك يؤكد دعم هذه الدول لجهود الرئيس ترامب لتحقيق السلام، والتزامها بالمساهمة في تنفيذ مهام المجلس.
بالإضافة إلى هذه الدول، يضم المجلس قادة مثل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي، ورئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بالإضافة إلى ممثلين عن أذربيجان وكازاخستان وأوزبكستان.
في المقابل، أبدت الدول الأوروبية الكبرى حذراً شديداً. رفضت السويد والنرويج وإيطاليا الانضمام حالياً، بينما تصر فرنسا وألمانيا على أن أي كيان جديد يجب أن يعمل تحت مظلة الأمم المتحدة وليس بديلاً عنها. حتى بريطانيا، على الرغم من عدم انضمامها رسمياً، تشارك من خلال رئيس وزرائها السابق توني بلير الذي يشارك بصفته الشخصية في اللجنة التنفيذية.
مستقبل الأمم المتحدة؟
يثير تأسيس مجلس السلام تساؤلات حول مستقبل الأمم المتحدة ودورها في حل النزاعات العالمية. انتقد النص التأسيسي للمجلس “النهج والمؤسسات التي فشلت مراراً”، في إشارة واضحة إلى الأمم المتحدة، داعياً إلى “الشجاعة” من أجل “الابتعاد” عنها.
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش حذر من أن تصرّفات بعض القادة تقوّض النظام الدولي، مؤكداً على أهمية ميثاق الأمم المتحدة كأساس للعلاقات الدولية.
يبقى أن نرى ما إذا كان مجلس السلام سيتمكن من تحقيق أهدافه، وما إذا كان سيؤدي إلى تغيير حقيقي في آليات حل النزاعات العالمية، أم أنه سيكون مجرد محاولة أخرى لإعادة اختراع العجلة. الجدل حول هذا الكيان الجديد سيستمر بالتأكيد، خاصة في ظل التحفظات الدولية والانتقادات الموجهة إلى هيكله التمويلي ونظام التصويت المرجح.


