أثار قرار مجلس مدينة دبلن إزالة اسم الرئيس الإسرائيلي الأسبق حاييم هرتسوغ من حديقة عامة عاصفة من الجدل وردود الفعل الدبلوماسية، ليضع العلاقات بين أيرلندا وإسرائيل تحت مجهر التدقيق. يأتي هذا القرار في خضم توترات متزايدة بشأن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وتحديداً على خلفية الحرب المستمرة في غزة. هذا المقال سيتناول تفاصيل القرار، ردود الفعل المحلية والدولية، والخلفية السياسية التي أدت إلى هذه الخطوة المثيرة للجدل.
قرار إزالة اسم هرتسوغ من حديقة في دبلن
في نهاية شهر نوفمبر 2025، وافق مجلس مدينة دبلن على إزالة اسم حاييم هرتسوغ من حديقة عامة تحمل اسمه منذ سنوات. هذا القرار لم يكن مفاجئاً بالكامل، حيث أنه جاء في أعقاب ضغوط متزايدة من بعض الأطراف التي ترى في تسمية الحديقة باسم شخصية إسرائيلية بارزة بمثابة دعم ضمني للسياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين.
ومن بين الأسماء المطروحة لاستبدال اسم هرتسوغ، يبرز اسم هند رجب، الفتاة الفلسطينية التي لقيت حتفها في غزة وأصبحت رمزاً للمعاناة الإنسانية في ظل الحرب. هذا الاقتراح تحديداً أثار غضب العديد من الجهات، واعتبروه خطوة استفزازية وغير ضرورية.
ردود الفعل الرسمية من أيرلندا وإسرائيل
لم يتأخر رد الفعل الرسمي من الحكومة الإيرلندية، حيث دعت وزيرة الخارجية هيلين ماكنتي مجلس بلدية دبلن إلى إعادة النظر في قراره. وأكدت ماكنتي في بيان رسمي أن إعادة تسمية الحديقة بهذه الطريقة، وإزالة اسم شخصية يهودية إيرلندية، لا يتماشى مع قيم الجمهورية الإيرلندية القائمة على التسامح والشمولية. وأوضحت أن هذا القرار قد يُنظر إليه على أنه استهداف للمجتمع اليهودي، وهو أمر ترفضه أيرلندا بشكل قاطع.
في المقابل، كانت ردة الفعل الإسرائيلية حادة للغاية. ووصف وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر دبلن بأنها “عاصمة معاداة السامية في العالم”، مؤكداً على “هوس أيرلندا بمعاداة السامية وإسرائيل”. هذه التصريحات جاءت في سياق توتر العلاقات بين البلدين، خاصة بعد إعلان أيرلندا الاعتراف رسمياً بدولة فلسطين، لتصبح بذلك أول دولة في الاتحاد الأوروبي تتخذ هذه الخطوة. علاقات أيرلندا بإسرائيل تشهد تصاعداً في الخلافات.
انتقادات إسرائيلية لرئيسة أيرلندا المنتخبة
لم تقتصر الانتقادات الإسرائيلية على قرار تغيير اسم الحديقة، بل امتدت لتشمل رئيسة أيرلندا المنتخبة، كاثرين كونولي. تناقلت وسائل الإعلام الإسرائيلية تصريحات سابقة لكونولي، حيث وصفت حركة حماس بأنها “جزء من النسيج الفلسطيني” واعتبرتها “منتخبة بشكل شرعي لقيادة غزة”.
وصحيفة “جيروزاليم بوست” وصفت انتخاب كونولي بأنه “خبر غير سار” لتل أبيب، مشيرة إلى أنها تدعو بشكل متكرر إلى “تحرير فلسطين” وأنها زارت سوريا خلال الحرب الأهلية. هذه الهجمات الإعلامية تعكس عمق الخلافات السياسية والأيديولوجية بين الجانبين.
الجالية اليهودية في أيرلندا تُدين القرار
أثار قرار مجلس دبلن استياءً بالغاً بين أفراد الجالية اليهودية في أيرلندا، التي يبلغ عددها حوالي 3000 نسمة. ووصف مكتب الرئيس الإسرائيلي الأسبق حاييم هرتسوغ الخطوة بأنها “مخزية” و”فضيحة”. وأشار الحاخام الأكبر لأيرلندا، يوني فيدر، إلى أن إعادة التسمية ستُمثل “محواً لنقطة محورية في التاريخ اليهودي الإيرلندي”، و”ستبعث برسالة عزلة إلى جاليتنا الصغيرة”.
ورأى رئيس المجلس التمثيلي اليهودي في أيرلندا، موريس كوهين، أن “الاقتراح هو عمل صارخ من أعمال معاداة السامية“. هذه التصريحات تعكس الشعور بالقلق وانعدام الأمن الذي يساور أفراد الجالية اليهودية في ظل هذه التطورات.
حديقة هرتسوغ: موقع رمزي وتاريخ عائلي
تتسم حديقة هرتسوغ بأهمية خاصة، حيث إنها تقع بالقرب من المدرسة اليهودية الوحيدة في دبلن. كما أنها تحمل اسم شخصية لعبت دوراً هاماً في الحياة العامة الإيرلندية قبل انتقاله إلى إسرائيل. حاييم هرتسوغ، المولود في بلفاست عام 1918، نشأ في دبلن، ووالده كان الحاخام الأكبر لإيرلندا. نجله، إسحق هرتسوغ، يشغل حالياً منصب رئيس دولة إسرائيل.
السياق السياسي وتأييد القضية الفلسطينية في أيرلندا
يأتي هذا القرار في سياق تأييد شعبي واسع النطاق للقضية الفلسطينية في أيرلندا. وقد انعكست هذه المواقف في السياسات الرسمية للدولة، لا سيما في مواقفها الدبلوماسية والبرلمانية. ومع ذلك، تشدد الحكومة الإيرلندية على أن انتقاد السياسات الإسرائيلية لا يعني التسامح مع أي خطوات قد تُفسر على أنها تمييز أو عداء تجاه اليهود. الصراع الفلسطيني الإسرائيلي يثير مشاعر قوية في الرأي العام الأيرلندي.
في الختام، قرار إزالة اسم حاييم هرتسوغ من الحديقة العامة في دبلن يمثل نقطة تحول في العلاقات بين أيرلندا وإسرائيل. بينما تصر أيرلندا على أن هذا القرار لا يتعلق بمعاداة السامية، بل بانتقاد السياسات الإسرائيلية، فإن إسرائيل والجالية اليهودية في أيرلندا يرون فيه خطوة استفزازية وتمييزية. ومن المؤكد أن هذا الجدل سيستمر في التأثير على المشهد السياسي والدبلوماسي في كلا البلدين. ومن الضروري متابعة التطورات ومراقبة كيفية تأثيرها على الجهود المبذولة لتحقيق السلام في المنطقة.



