تسعى الولايات المتحدة إلى إعادة توجيه استراتيجيتها في إنتاج الصواريخ عبر التركيز على نماذج أبسط وأرخص قابلة للإنتاج بكميات كبيرة خلال فترات قصيرة، في خطوة تهدف لتعويض مخزونات الذخائر المتراجعة. هذا التحول، بحسب تقارير صحيفة فايننشال تايمز، يقوده مصنعون ناشئون يعتمدون على ورش إنتاج معيارية وتقنيات تصنيع سريعة لتقليل التكلفة وتسريع الإمداد.
تواجه وزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) ضغطاً متزايداً لتعزيز المخزون بعد الصراعات الأخيرة، ما دفع القادة إلى البحث عن بدائل للصواريخ عالية التكلفة التي تتطلب أسابيع أو أشهر للتصنيع. في هذا السياق تبرز ضرورة إنشاء منظومة إنتاج مرنة تضمن إنتاج الصواريخ بكميات كافية أثناء الأزمات.
إنتاج الصواريخ: تحول في الإستراتيجية الأمريكية
التركيز الجديد يضع موضوع إنتاج الصواريخ في قلب سياسة الأمن القومي الأميركية، إذ يقلص الاعتماد على قذائف متقدمة باهظة الثمن ويزيد من أهمية الكمية والسرعة. بحسب مصادر صحفية ومحللين، تنتج الولايات المتحدة نحو 600 صاروخ “توماهوك” سنوياً بتكلفة تقارب 2.6 مليون دولار للصاروخ الواحد، بينما تصل تكلفة صواريخ “جيه إيه إس إس إم” إلى نحو 1.9 مليون دولار و”بي آر إس إم” إلى نحو 1.6 مليون دولار.
من ناحية أخرى، يشير خبراء إلى أن التركيز على إنتاج الصواريخ منخفضة التكلفة قد يسمح للبنتاغون ببناء مخزونات أكبر وتحمل فترات صراع ممتدة، لكن ذلك يتطلب تغييراً في فلسفة المشتريات العسكرية وقبول استخدام أسلحة أقل دقة نسبياً مقابل كلفة وإنتاجية أعلى.
ورش إنتاج معيارية وتسريع خطوط التصنيع
تتبنى شركات مثل شركة كو-أسباير نهجاً تصعيدياً يعتمد على ورش إنتاج معيارية يمكن توسيعها بسرعة أثناء الأزمات، وهو ما وصفه بعض المسؤولين بـ”نموذج ماكدونالدز لصناعة الصواريخ”. في هذا النموذج تُستخدم معدات بسيطة وأدوات يدوية، ويجري تصنيع أجزاء بواسطة الطباعة ثلاثية الأبعاد، ما يقلص حاجة الفنيين إلى تدريب طويل.
تؤكد شركات ناشئة أنها صممت صواريخ أولية خلال أشهر قليلة، وأن تدريب فني جديد على تجميع عناصر الصاروخ لا يستغرق سوى نحو شهر. بالإضافة إلى ذلك، تستعين بعض الشركات بمكونات تجارية متاحة تجنباً لتعقيدات سلاسل الإمداد، مثل محركات طورت أصلاً للطائرات اللاسلكية الهواة.
الأمثلة الصناعية: عقود وإنتاجية جديدة
حصلت شركة كاستيليون على عقد لإنتاج أكثر من 12 ألف صاروخ فرط صوتي خلال خمس سنوات، مع هدف إنتاج نحو 6 آلاف صاروخ سنوياً بتكلفة مقدرة تقارب 400 ألف دولار للصاروخ. هذه الأرقام تشير إلى قدرة الشركات الناشئة على تقديم بدائل أرخص بكثير من الصواريخ التقليدية مع خطط لبناء مصانع إضافية داخل الولايات المتحدة.
في المقابل، لا تخلو المقاربة من تساؤلات حول الجدوى التشغيلية والدقة التشغيلية لهذه الصواريخ الأرخص، وما إذا كانت ملائمة لجميع سيناريوهات القتال الحديثة. لذلك يرى محللون أن المعيار يجب أن يجمع بين الكلفة والفعالية المناسبة لمهمات محددة.
دروس الحروب وتأثيرها على المخزونات
أظهرت حروب مثل الصراع في أوكرانيا والمواجهات مع إيران أهمية امتلاك مخزونات كبيرة من الصواريخ منخفضة التكلفة، إذ أعادت تلك التجارب تشكيل مفهوم الاستنزاف العسكري. تشير التقارير إلى أن اعتماد التكنولوجيا المتقدمة وحده لا يكفي إذا لم يرافقه حجم إنتاج قادر على مواجهة فترات استنزاف طويلة.
قبل أي مواجهة محتملة واسعة النطاق أظهرت تقديرات أن بعض المخزونات يمكن أن تنفد خلال أسابيع إذا ارتفع الطلب بشكل مفاجئ، ما يعزز الحاجة إلى آليات إنتاج سريعة ومرنة. في الوقت نفسه، يوسع البنتاغون استثماراته في الطائرات المسيرة، وطلب زيادة الإنفاق على تقنيات المسيرات إلى ما يزيد عن 74 مليار دولار لعام 2027 بحسب معلومات متاحة.
التحديات والآفاق المستقبلية
رغم الفوائد المحتملة، تواجه استراتيجية إنتاج الصواريخ منخفضة التكلفة تحديات تنظيمية وقانونية تتعلق بمعايير السلامة والاعتمادية والرقابة على سلاسل الإمداد. علاوة على ذلك، سيتطلب نجاح هذه السياسة تغييراً ثقافياً داخل هيئات الشراء الدفاعي لقبول مقايضة الدقة مقابل الكلفة والكمية.
من الناحية التقنية، تبرز الحاجة إلى توافق بين الابتكار الصناعي ومعايير الأداء العسكرية، بالإضافة إلى استثمارات مستمرة في البحوث لضمان أن الصواريخ الأرخص تحافظ على مستوى كاف من الكفاءة التشغيلية في ساحات المعركة.
خلاصة وتوقعات: ما الذي يجب مراقبته؟
في المدى القريب سيتركز التركيز على توسيع ورش إنتاج معيارية وزيادة عقود التصنيع مع شركات ناشئة قادرة على التصنيع السريع، بينما يسعى البنتاغون إلى تعديل سياسات الشراء لدعم هذا التحول. لذا ينبغي مراقبة الإعلان عن منح عقود جديدة وتوسع خطوط الإنتاج، وكذلك تحديثات ميزانية الدفاع المتعلقة بالطائرات المسيرة والإمداد بالذخائر.
على المدى المتوسط، ستحدد التجارب الميدانية في النزاعات القادمة مدى فعالية الجمع بين إنتاج الصواريخ بأعداد كبيرة والحفاظ على معايير العمليات الضرورية. متابعة خطوات البنتاغون والشركات المصنعة خلال الأشهر والسنوات المقبلة ستكشف كيف ستتوازن الكلفة مع الأداء في إستراتيجية إنتاج الصواريخ الأميركية.



