في أعقاب قرار محكمة الاستئناف بتأييد حكم سجن راشد الغنوشي، زعيم حركة النهضة، لمدة 22 عامًا في قضية “أنستالينغو”، تتصاعد المخاوف بشأن مستقبل الحريات السياسية في تونس. هذا الحكم، الذي يأتي في سياق الإجراءات الاستثنائية التي اتخذها الرئيس قيس سعيد منذ 25 يوليو 2021، يثير تساؤلات حول مدى التزام تونس بمبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان. هذه القضية، التي تشمل أيضًا عددًا كبيرًا من السياسيين والصحفيين والناشطين، تضع البلاد أمام اختبار حقيقي في ما يتعلق بسيادة القانون واستقلالية القضاء.
قضية “أنستالينغو” وأحكام الاستئناف: تفاصيل الحكم وتداعياته
تعود جذور هذه القضية إلى سبتمبر 2021، عندما داهمت السلطات مقر شركة “أنستالينغو” في مدينة القلعة الكبرى، بتهم تتعلق بأمن الدولة وتبييض الأموال والإساءة عبر الإنترنت. وقد أسفرت المحكمة الابتدائية في فبراير 2025 عن أحكام قاسية تراوحت بين 5 و 54 عامًا بحق 41 شخصًا، بمن فيهم راشد الغنوشي.
وقد أيدت محكمة الاستئناف في العاصمة هذه الأحكام بشكل كبير، باستثناء الصحفية شذى بلحاج مبارك، التي خُفض حكمها إلى عامين مع تأجيل التنفيذ، مما يفتح الباب أمام إمكانية إطلاق سراحها. ومع ذلك، يبقى الحكم على الغنوشي وبقية المتهمين ساريًا، مع حقهم في الطعن أمام محكمة التعقيب، وهو ما لا يوقف تنفيذ العقوبة.
التهم الموجهة للمتهمين ونفيها لها
تتضمن التهم الموجهة للمتهمين التآمر على أمن الدولة، والعمل على تغيير هيئتها، والتحريض على العنف، وإثارة الفتنة، بالإضافة إلى “إتيان أمر موحش تجاه رئيس الجمهورية”. إلا أن جميع المتهمين ينفون بشدة صحة هذه التهم، ويؤكدون أنها ذات دوافع سياسية تهدف إلى إسكات المعارضة.
الإجراءات الاستثنائية لقيس سعيد وتأثيرها على المشهد السياسي
بدأ الرئيس قيس سعيد في 25 يوليو 2021 تطبيق ما أسماه “إجراءات استثنائية”، شملت حل مجلس النواب، وإصدار تشريعات بأوامر رئاسية، وإقرار دستور جديد عبر استفتاء، وإجراء انتخابات تشريعية مبكرة. وقد أثارت هذه الإجراءات جدلاً واسعًا في تونس، حيث يراها البعض “تصحيحًا لمسار الثورة”، بينما يعتبرها آخرون “انقلابًا على الدستور”.
تراجع الحريات بعد 25 يوليو
منذ تطبيق هذه الإجراءات، شهدت تونس تراجعًا ملحوظًا في الحريات العامة، مع موجة اعتقالات طالت مسؤولين ونشطاء من مختلف التيارات السياسية. وقد أدان العديد من المنظمات الحقوقية هذه الاعتقالات، معتبرة إياها انتهاكًا لحرية التعبير والتجمع. بالإضافة إلى ذلك، تم استخدام المرسوم 54، الذي يهدف إلى مكافحة الجرائم الإلكترونية، لتجريم حرية التعبير وتقييد العمل الإنساني.
وجهات نظر متباينة حول الإجراءات الرئاسية
يرى الرئيس سعيد أن إجراءاته تهدف إلى حماية الدولة من خطر داهم، مع التأكيد على عدم المساس بالحريات والحقوق. في المقابل، يرى المعارضون أن هذه الإجراءات تحمل طابعًا سياسيًا، وأنها تستخدم لملاحقة المعارضين. ويشير المحللون إلى أن هذه الإجراءات أدت إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في تونس، مع ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية.
مستقبل الحريات في تونس: نظرة على التحديات والآفاق
إن قضية راشد الغنوشي وأحكام الاستئناف الأخيرة تمثل نقطة تحول في مسار تونس الديمقراطي. ففي الوقت الذي يؤكد فيه المسؤولون على التزامهم بسيادة القانون واستقلالية القضاء، يرى المعارضون أن هذه المحاكمات ذات دوافع سياسية.
الحقوق والحريات بعد الثورة
في ذكرى ثورة 14 يناير، أعربت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان عن قلقها الشديد إزاء تراجع مكاسب الثورة، مشيرة إلى تدهور الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية. ويؤكد الناشطون السياسيون على أن تونس تشهد تراجعًا في الحريات، مع موجة اعتقالات لمسؤولين ونشطاء.
في الختام، يواجه مستقبل الحريات في تونس تحديات كبيرة. يتطلب الأمر حوارًا وطنيًا شاملًا، يجمع بين جميع الأطراف، من أجل إيجاد حلول تضمن احترام حقوق الإنسان وسيادة القانون. كما يتطلب الأمر إصلاحًا شاملاً للقضاء، لضمان استقلاليته ونزاهته. إن مستقبل تونس الديمقراطي يعتمد على قدرة البلاد على تجاوز هذه التحديات، وبناء مجتمع يحترم الحريات ويضمن العدالة للجميع. قضية الغنوشي ليست مجرد قضية فردية، بل هي قضية تتعلق بمستقبل الديمقراطية في تونس.


