الاحتجاجات في إيران: هل يحمل الزخم تغييرًا حقيقيًا؟

تشهد إيران منذ أواخر ديسمبر موجة احتجاجات واسعة النطاق، تُعدّ من بين الأكثر تحديًا للنظام الحاكم منذ سنوات. هذه المظاهرات، التي بدأت بسبب الأوضاع الاقتصادية الصعبة، سرعان ما اتخذت أبعادًا سياسية واجتماعية أعمق، مما يثير تساؤلات حول مستقبل الجمهورية الإسلامية. ومع استمرار خروج آلاف المتظاهرين إلى الشوارع، يبرز سؤال محوري: هل يكفي زخم هذه الحركة لإحداث تغيير فعلي في بنية الحكم؟ هذا المقال يتناول أبعاد هذه الاحتجاجات، العوامل التي قد تؤدي إلى تغيير، والدور المحتمل للضغوط الداخلية والخارجية.

تصاعد الاحتجاجات وتجاوزها للأنماط السابقة

يبدي محللون حذرًا في تقييم مآلات هذه التظاهرات، لكنهم يتفقون على أنها تشهد تصاعدًا تدريجيًا منذ انطلاقها في 28 ديسمبر. تتميز هذه الحركة بأنها “أخطر تحدٍّ تواجهه الجمهورية الإسلامية منذ سنوات”، سواء من حيث اتساع رقعتها أو من حيث وضوح مطالبها السياسية المتزايدة. لم تعد المطالب مقتصرة على تحسين الأوضاع الاقتصادية، بل باتت تشمل المطالبة بالحرية السياسية، والمساواة بين الجنسين، وإصلاحات جذرية في النظام.

ما يميّز هذه الاحتجاجات أيضًا هو طابعها الجامع. فهي تدمج بين انتفاضات اقتصادية، ومطالب بالمساواة بين الجنسين، وحركات طلابية، واحتجاجات الطبقة الوسطى التي تعاني من التهميش. هذا التنوع في المشاركين يجعل من الصعب على النظام الحاكم التعامل معها بنفس الأساليب التي استخدمها في الماضي. ويرى مراقبون أن استمرار التظاهرات لفترة أطول سيزيد من الضغوط على النظام ويقوّض استقراره.

العامل الحاسم: الانقسامات الداخلية في إيران

يُجمع الخبراء على أن العامل الفاصل في أي تغيير محتمل يتمثل في التطورات داخل مؤسسات الدولة، ولا سيما الأجهزة الأمنية والعسكرية، أو في الدائرة الضيقة المحيطة بالمرشد الأعلى علي خامنئي. ففي حال حدوث “تفكك في الجهاز الأمني” أو ظهور “تعاطف فعلي مع المتظاهرين” داخل هذه الأجهزة، قد يشكل ذلك نقطة تحوّل حاسمة.

السؤال المطروح الآن هو: إلى أي مدى ستستمر قوات الأمن في تنفيذ الأوامر واستخدام القوة ضد المتظاهرين؟ تقارير حقوقية تشير إلى سقوط مئات القتلى والجرحى، مما يزيد من غضب الشعب ويدفع المزيد من الأفراد إلى الانضمام إلى الاحتجاجات. حتى الآن، لا توجد مؤشرات واضحة على تغيّر جذري في موقف الأجهزة الأمنية، ولا دلائل على انقسامات داخل صفوف الحرس الثوري، لكن هذا لا ينفي احتمال حدوث ذلك في المستقبل.

أي انشقاق داخل الأجهزة الأمنية أو بين النخب السياسية، أو سيطرة المتظاهرين على مؤسسات حكومية واحتفاظهم بها، سيعكس تحولًا جوهريًا في ميزان القوى. لكن تحقيق هذا التحول يتطلب أكثر من مجرد احتجاجات شعبية؛ فهو يتطلب تصدّعات حقيقية في قمة الهرم السياسي والمؤسسات المكلفة بقمع المعارضة.

الأزمة الاقتصادية كمحفز للاحتجاجات

اندلعت الاحتجاجات في 28 ديسمبر على خلفية إضراب نفّذه تجار في طهران، احتجاجًا على تدهور سعر صرف العملة وتراجع القدرة الشرائية. هذا يعكس الأزمة الاقتصادية المتفاقمة التي يعاني منها ملايين الإيرانيين، بمن فيهم أفراد من الطبقة الوسطى، مع ارتفاع متسارع في أسعار السلع الأساسية.

الجمهورية الإسلامية عالقة في حلقة مفرغة، حيث يؤدي تشديد القمع إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية، ما يزيد من السخط الشعبي ويضعف قاعدة النظام. العقوبات الدولية، وسوء الإدارة الاقتصادية، والفساد المستشري، كلها عوامل ساهمت في تدهور الأوضاع المعيشية للشعب الإيراني، مما جعل الاحتجاجات أمرًا حتميًا. الوضع الاقتصادي هو بالتأكيد أحد أهم الأسباب الكامنة وراء هذه المظاهرات.

البعد الخارجي والضغوط الدولية على إيران

على الصعيد الخارجي، لوّح الرئيس الأميركي دونالد ترامب بـ”ضرب إيران بقوة” في حال واصلت السلطات قمع المتظاهرين، قبل أن يعيد التأكيد على أن واشنطن تدرس “خيارات قوية جدًا”. هذا التصعيد يطرح تساؤلات حول الدور المحتمل للولايات المتحدة وإسرائيل، وما إذا كان ذلك قد يتخذ شكل تدخل عسكري أو عمليات تستهدف شخصيات بارزة في السلطة الإيرانية.

الضغوط الدولية، بما في ذلك العقوبات الاقتصادية، تلعب دورًا في تفاقم الأزمة في إيران. التدخل الخارجي، سواء كان عسكريًا أو سياسيًا، يمكن أن يؤثر بشكل كبير على مسار الاحتجاجات، لكنه قد يؤدي أيضًا إلى نتائج عكسية، مثل تعزيز الوحدة الوطنية حول النظام.

الباحث في جامعة ييل الأميركية، أراش عزيزي، يرى أن الضغط المزدوج المتمثل في الاحتجاجات الداخلية والتهديدات الخارجية قد يدفع أطرافًا داخل النظام إلى القيام بخطوة أشبه بـ”انقلاب داخلي”، من خلال تغيير السياسات والبنى الأساسية للحكم. هذا السيناريو قد يعني، في نهاية المطاف، “سقوط النظام نفسه”.

الخلاصة: مستقبل غامض ومفترق طرق

لا تزال الاحتجاجات في إيران مستمرة، ومستقبلها غير واضح. حجم ومدى هذه المظاهرات يجعلها تحديًا كبيرًا للنظام الحاكم، لكن نجاحها في إحداث تغيير حقيقي يعتمد على العديد من العوامل، بما في ذلك تماسك الأجهزة الأمنية، وصدوع داخل قمة السلطة، والأوضاع الاقتصادية، والضغوط الدولية. مع ذلك، يمثل هذا الزخم الشعبي فرصة تاريخية للتغيير في إيران، ويستحق المتابعة والتحليل الدقيق.

نتمنى أن يكون هذا المقال قد قدم نظرة شاملة وموضوعية حول الاحتجاجات في إيران، ونشجع القراء على متابعة التطورات وتبادل الآراء حول هذا الموضوع الهام.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version