في تطور مفاجئ يعكس تحولات جيوسياسية عميقة في أمريكا اللاتينية، قام مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، جون راتكليف، بزيارة تاريخية إلى فنزويلا، ملتقيًا برئيسة المرحلة الانتقالية، ديلسي رودريغيز. هذه الزيارة، وهي الأعلى مستوى لمسؤول أمريكي منذ الإطاحة بالرئيس نيكولاس مادورو، تثير تساؤلات حول مستقبل فنزويلا، ودور الولايات المتحدة في إعادة تشكيل المشهد السياسي والاقتصادي للبلاد. وتأتي في ظل تقارير تشير إلى دعم أمريكي متزايد لرودريغيز على حساب قوى المعارضة التقليدية.

زيارة راتكليف إلى كاراكاس: بداية صفحة جديدة؟

الزيارة التي جرت يوم الخميس الماضي لم تكن مجرد لقاء بروتوكولي، بل كانت محادثات مكثفة تركزت بشكل أساسي على مكافحة تهريب المخدرات، خاصةً تلك التي تقوم بها شبكات إجرامية خطيرة مثل عصابة “ترين دي أراغوا”. وبحسب مصادر في وكالة الاستخبارات، فقد تم بحث ترتيبات تعاون اقتصادي تهدف إلى ضمان استمرار تدفق النفط الخام الفنزويلي إلى الولايات المتحدة. هذا التركيز على النفط يعكس الأهمية الاستراتيجية التي توليها واشنطن لهذا المورد الحيوي.

مكافحة المخدرات والتعاون الاقتصادي: أولويات واشنطن

التعاون في مجال مكافحة المخدرات يمثل نقطة التقاء مصالح بين الطرفين. ففنزويلا، بسبب موقعها الجغرافي واضطراباتها الداخلية، أصبحت نقطة عبور رئيسية لشحنات المخدرات المتجهة إلى الولايات المتحدة. في المقابل، تسعى الولايات المتحدة إلى تأمين إمدادات النفط الفنزويلي، التي تضررت بسبب العقوبات الاقتصادية والإدارة السيئة. الهدف المعلن هو استعادة الاستقرار في فنزويلا، ولكن الأهداف الخفية تتعلق بشكل كبير بالسيطرة على الموارد الطبيعية.

دور الاستخبارات الأمريكية في التحول السياسي الفنزويلي

تشير التسريبات إلى أن زيارة راتكليف هي تتويج لعمل استخباراتي دقيق ومستمر. فقد كشفت تقارير صحفية عن وجود تقرير سري أعدته وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، والذي شكل أساسًا لقرار إدارة ترامب بدعم ديلسي رودريغيز بدلاً من زعيمة المعارضة، ماريا كورينا ماتشادو. هذا التحول في الدعم يثير جدلاً واسعًا حول مستقبل الديمقراطية في فنزويلا.

تقرير سري وتغيير في الاستراتيجية

التقييم الاستخباراتي الأمريكي يرى أن الحفاظ على هيكل السلطة الحالي، مع إخضاعه لإشراف مباشر من واشنطن، هو الخيار الأسرع والأكثر فعالية لضمان الاستقرار المؤقت وتجنب انهيار مؤسسات الدولة. كما تؤكد المصادر أن الوكالة لعبت دورًا حاسمًا في العملية التي أدت إلى اعتقال مادورو في بداية شهر يناير الماضي، من خلال تشكيل فريق سري لمراقبة تحركاته بالاعتماد على شبكة من المصادر داخل الجيش الفنزويلي والمقربين من القصر الرئاسي.

لقاء ماتشادو وترامب: محاولة يائسة لإعادة الاعتبار؟

في الوقت الذي كان فيه راتكليف يجري محادثاته في كاراكاس، التقت زعيمة المعارضة، ماريا كورينا ماتشادو، بالرئيس دونالد ترامب في واشنطن، في محاولة يائسة لإعادة تأكيد موقعها في المعادلة السياسية الفنزويلية. وقدمت ماتشادو لترامب ميدالية جائزة نوبل للسلام، معتبرة إياها “تقديرًا لالتزامه بحرية فنزويلا”.

فتور أمريكي تجاه المعارضة

لكن ردود الفعل من البيت الأبيض كانت فاترة، حيث وصفت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولاين ليفيت، اللقاء بأنه جزء من “تقييم واقعي” للوضع في فنزويلا. كما أعرب ترامب عن شكوكه في قدرة ماتشادو على قيادة البلاد، معتقدًا أنها لا تحظى بالنفوذ الكافي داخل مراكز القرار الحقيقية. هذا الفتور يعكس تحولًا واضحًا في موقف الإدارة الأمريكية تجاه المعارضة الفنزويلية.

مستقبل المرحلة الانتقالية والسيطرة على النفط

حتى الآن، لم تعلن الإدارة الأمريكية عن أي جدول زمني لإجراء انتخابات جديدة في فنزويلا، مفضلة التركيز على إدارة المرحلة الانتقالية وضمان سيرها وفقًا لمصالحها. وأكد ترامب أن إدارته ستشرف بشكل مباشر على إدارة فنزويلا خلال هذه المرحلة، مشددًا على أن الهدف الرئيسي هو إحكام السيطرة على قطاع النفط.

تدخل مباشر أمريكي

الانتشار الواسع للقوات البحرية الأمريكية في البحر الكاريبي، بالإضافة إلى وصول عناصر فيدرالية إلى الأراضي الفنزويلية، يشير إلى مقاربة تعتمد التدخل المباشر، وهو ما تبرره الإدارة الأمريكية بضرورة القضاء على ما تسميه “ملاذات خصومها” في المنطقة. في المقابل، يبدو أن ديلسي رودريغيز قد وافقت على الشروط الأمريكية، مقابل استمرارها في إدارة شؤون البلاد وفتح قطاع النفط للاستثمارات الأجنبية. الوضع الحالي يثير مخاوف بشأن سيادة فنزويلا واستقلالها.

الخلاصة، زيارة راتكليف إلى فنزويلا تمثل نقطة تحول حاسمة في مستقبل البلاد. التركيز على مكافحة المخدرات والسيطرة على النفط، بالإضافة إلى الدعم المتزايد لرودريغيز، يشير إلى أن الولايات المتحدة تسعى إلى إدارة المرحلة الانتقالية بشكل مباشر، مع ضمان مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية. يبقى أن نرى ما إذا كانت هذه الاستراتيجية ستؤدي إلى الاستقرار والازدهار في فنزويلا، أم أنها ستزيد من تعقيد الوضع وتعميق الانقسامات الداخلية. هذا التطور يستدعي متابعة دقيقة وتحليل معمق لفهم التداعيات المحتملة على المنطقة بأكملها.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version