في فرنسا، تتصاعد وتيرة الجدل حول تطبيق مبادئ العلمانية (اللائكية) وتأثيرها على الحريات الفردية، خاصةً فيما يتعلق بالرموز الدينية والملابس. آخر هذه الحوادث، قضية التلميذة “ميلينا” التي طُردت من ثانوية بسبب ارتدائها قبعة، أثارت عاصفة من الانتقادات واتهامات بمعاداة الإسلام والتمييز. هذه القضية ليست منفصلة، بل تأتي في سياق سلسلة من الإجراءات المثيرة للجدل، والتي تتراوح بين منع استخدام المياه في دورات المياه إلى فصل ممرضة بسبب تغطية شعرها. هذا المقال يسلط الضوء على هذه الأحداث المتتابعة، ويحلل التداعيات القانونية والاجتماعية، ويستعرض ردود الأفعال الرسمية والشعبية حول التعامل مع الحجاب في الفضاء العام الفرنسي.
إدانة واسعة لطرد التلميذة ميلينا
أدان المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية بشدة طرد التلميذة ميلينا من ثانوية في جنوب شرق فرنسا، بسبب ارتدائها قبعة طبية لتغطية آثار تساقط الشعر الناتج عن علاجها. واعتبر المجلس أن مطالبة ميلينا بتقديم “شهادة تثبت أنها غير مسلمة” هو تجاوز خطير لمبادئ دولة القانون، ووصف الإجراء بأنه “عار على المؤسسة التعليمية” و”تعسف يتناقض مع اللائكية الأصيلة”. النائب أنطوان ليومون من حزب “فرنسا الأبية” انتقد الحادثة أيضاً، مؤكداً أن “معاداة الإسلام باتت تُمارس حتى على أشخاص قد لا يكونون مسلمين”، وأن استهداف النساء بسبب غطاء الرأس أصبح ظاهرة متكررة.
قصة ميلينا: من محنة صحية إلى أزمة مجتمعية
ميلينا، تلميذة في ثانوية مونغولفيي بمدينة أنوني، عانت من نوبات صرع وتلقت علاجاً دوائياً تسبب في تساقط شعرها، على غرار ما يحدث لمرضى السرطان الذين يخضعون للعلاج الكيميائي. بعد نوبة صرع أدت إلى دخولها المستشفى، قررت ميلينا حلق رأسها بالكامل خلال عطلة أعياد الميلاد، ولجأت إلى تغطيته بوشاح أو قبعة لأسباب نفسية وصحية. “لم أكن أريد أن يراني الناس برأس حليق تماماً، لم أكن جاهزة نفسياً لذلك”، هذا ما صرحت به ميلينا لصحيفة ريفاي المحلية.
رفض الإدارة وتصعيد الموقف
عند عودتها إلى المدرسة، حاولت ميلينا إبلاغ الإدارة بحالتها الصحية، لكن المديرة اعتبرت غطاء الرأس “خماراً إسلامياً”، رغم تقديم التلميذة شهادة طبية. ورفضت المديرة، بحسب رواية الأسرة، كل أنواع الأغطية التي ارتدتها ميلينا، بما في ذلك قبعة رياضية، مؤكدة أنها “من يقرر ما هو الحجاب”. تصاعد الموقف إلى طلب إدارة المدرسة من ميلينا تقديم وثيقة تثبت أنها “غير مسلمة” للحصول على إذن بارتداء القبعة الطبية، وهو ما وصفته التلميذة بـ”المعضلة المستحيلة”. ميلينا فكرت في الانتقال إلى مدرسة أخرى، لكنها خشيت من نظرة الناس إليها بعد انتشار قصتها.
موقف السلطات والخبراء من قضية الحجاب
دافع مدير التربية في المقاطعة، تيري أوماج، عن قرار المديرة، معتبراً أن الوشاح “قد يُفهم على أنه تعبير ديني”، وأن الفحص الطبي لم يثبت ضرورة ارتداء غطاء الرأس. في المقابل، اعتبر نيكولا كادين، المقرر العام السابق لمرصد اللائكية، أن طرد ميلينا بسبب قبعة تغطي تساقط الشعر هو “سوء تطبيق للقانون”، مؤكداً أن مرسوم 2004 لا يمنع الملابس اليومية غير المرتبطة برموز دينية، وأن الحوار ضروري خصوصاً في الحالات الصحية. هذا الجدل يعكس اختلاف التأويلات حول مفهوم اللائكية في فرنسا وتطبيقاته العملية.
تجاوزات أخرى: منع الماء والصلاة وفصل الممرضة
لم تقتصر التجاوزات على قضية ميلينا. كشف تقرير نشرته صحيفة “لومانيتي” عن تعليمات داخلية في هيئة النقل العام بباريس تمنع إدخال قوارير الماء إلى المراحيض، بدعوى الحفاظ على “حياد الخدمة العامة”. العمال والنقابات اعتبروا هذا القرار استهدافاً للمسلمين، معتبرين أن استخدام الماء للنظافة لا يمكن تصنيفه كـ”ممارسة دينية”. كما تضمنت التعليمات منع الصلاة في أماكن العمل، وتحذير العاملات من تغطية الشعر.
قضية أخرى أثارت الجدل هي فصل ممرضة تُدعى مجدولين من مستشفى الرحمة بسبب تغطية شعرها. علقت المحكمة الإدارية في باريس قرار الفصل، معتبرة أن “العقوبة لا تتناسب مع الخطأ”، خاصة وأن الممرضة “دأبت على تغطية شعرها منذ فترة طويلة” دون اعتراض، وأنها “تؤدي عملها بكفاءة عالية”. النقابات اعتبرت أن قرار الفصل استند إلى افتراض أن الممرضة مسلمة بسبب اسمها ومظهرها. هذه الحوادث تثير تساؤلات حول التمييز ضد المسلمين في فرنسا.
تصاعد الجدل وتأثيره على المجتمع
تتزامن هذه الحوادث مع تصاعد الجدل في فرنسا حول تطبيق اللائكية، وسط اتهامات متزايدة بأن بعض المؤسسات تستخدمها لتبرير ممارسات تمييزية، خصوصاً تجاه المسلمين أو من يُشتبه بانتمائهم إلى الإسلام. وتطالب منظمات حقوقية ودينية بإعادة ضبط تطبيق القانون بما يحفظ الحريات الفردية ويمنع التعسف. من الواضح أن قضية الحجاب في المدارس والوظائف العامة ستظل قضية خلافية في فرنسا، تتطلب حواراً بناءً وتفسيراً دقيقاً لمبادئ العلمانية بما يضمن احترام حقوق جميع المواطنين. الجدل المستمر يؤثر على النسيج الاجتماعي الفرنسي، ويزيد من الشعور بالتهميش لدى بعض الفئات، مما يستدعي معالجة هذه القضايا بحكمة ومسؤولية.


