في خضم التطورات الجيوسياسية المتسارعة، أثار الإعلان عن “مجلس السلام” الذي أطلقه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب جدلاً واسعاً على الساحة الدولية. وبينما يهدف المجلس المعلن إلى لعب دور في حل النزاعات العالمية، بما في ذلك الصراع في غزة، تواجه المبادرة انتقادات وشكوكاً متزايدة من دول أوروبية، وعلى رأسها إيطاليا، بسبب مخاوف تتعلق بالدستورية والشرعية الدولية. هذا المقال يتناول تفاصيل هذه التطورات، ردود الأفعال الأوروبية، والتحديات التي تواجه هذا المشروع الجديد.

دعوة ميلوني لترامب لتعديل “مجلس السلام”

أعربت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني عن تحفظاتها تجاه هيكل “مجلس السلام” المقترح، ودعت الرئيس ترامب إلى إجراء تعديلات على نظامه الأساسي. جاءت هذه الدعوة بعد إبلاغها بوجود “مشاكل دستورية” تمنع إيطاليا من الانضمام إلى المجلس بالشكل الحالي. وأشارت ميلوني إلى أن الدستور الإيطالي لا يسمح بالانضمام إلى منظمات دولية تقودها دولة واحدة أو شخص واحد، مما يثير تساؤلات حول سيادة الدول الأعضاء.

ميلوني أكدت أن النظام الأساسي الحالي يمنح ترامب صلاحيات تنفيذية واسعة، وهو ما يتعارض مع مبدأ المساواة بين الدول. وطلبت منه إعادة هيكلة المجلس ليأخذ في الاعتبار احتياجات دول أوروبية أخرى، وليس فقط إيطاليا. هذا الموقف يعكس قلقاً إيطالياً أعمق بشأن توازن القوى في الساحة الدولية، وأهمية الحفاظ على دور المؤسسات الدولية القائمة.

آمال في إنهاء الحرب الأوكرانية وجائزة نوبل للسلام

خلال مؤتمر صحفي، أعربت ميلوني عن أملها في أن يتمكن ترامب من المساهمة في إنهاء الحرب في أوكرانيا، الأمر الذي قد يمهد الطريق لترشيحه لجائزة نوبل للسلام. وقالت: “آمل أن نتمكن يوماً ما من منح جائزة نوبل للسلام لدونالد ترامب”، معربة عن ثقتها في قدرته على تحقيق “سلام عادل ودائم” في أوكرانيا.

هذه التصريحات تأتي في سياق علاقة قوية تربط ميلوني بترامب، الذي سبق له التعبير عن استيائه من عدم حصوله على الجائزة. وقد نشر ترامب رسالة علنية الاثنين الماضي، موجهة إلى رئيس الوزراء النرويجي، يلمح فيها إلى أنه لم يعد يشعر بالالتزام بالعمل من أجل السلام إذا لم يتم تقدير جهوده. هذا التصريح أثار جدلاً واسعاً حول دوافع ترامب لإطلاق “مجلس السلام” وعلاقته المحتملة بالسعي للحصول على الجائزة.

رفض فرنسي وتساؤلات حول الشرعية الدولية

لم تكن إيطاليا الدولة الأوروبية الوحيدة التي أعربت عن تحفظاتها. أعلنت فرنسا أيضاً رفضها للانضمام إلى “مجلس السلام” في الوقت الحالي. وأوضحت وزارة الخارجية الفرنسية أن ميثاق المجلس “لا يتسق مع قرار الأمم المتحدة المتعلق بإنهاء الحرب في غزة”، وأن بعض بنوده “تتعارض مع ميثاق الأمم المتحدة”. هذا الرفض الفرنسي يعكس قلقاً بشأن إمكانية تقويض دور الأمم المتحدة كمنصة رئيسية للدبلوماسية العالمية.

الشكوك الأوروبية تتزايد حول مدى توافق مبادرة ترامب مع القانون الدولي، خاصة بعد تصريحاته التي تشير إلى أن المجلس سيتعامل مع قضايا عالمية تتجاوز الوضع في غزة. هناك تخوف من أن يؤدي هذا المجلس إلى خلق نظام موازٍ للدبلوماسية الدولية، مما قد يزيد من تعقيد الجهود المبذولة لحل النزاعات.

استبعاد كندا بعد تصريحات رئيس وزرائها

تصاعدت الخلافات الدبلوماسية حول “مجلس السلام” مع سحب ترامب لدعوته لرئيس الوزراء الكندي مارك كارني للانضمام إلى المجلس. جاء هذا القرار بعد تصريحات لـ كارني وصف فيها النظام العالمي القائم على القوانين بأنه “يعاني من تصدع”. ورد ترامب بقسوة، مؤكداً أن كندا “تعيش بفضل الولايات المتحدة” وأن كارني “لم يكن ممتناً بما فيه الكفاية”.

كما أعلن كارني أن حكومته رفضت دفع أي رسوم للانضمام إلى المجلس، مؤكداً أن كندا “لا تعيش بفضل الولايات المتحدة، بل تزدهر لأنها كندية”. هذه التصريحات تعكس رغبة كندا في الحفاظ على استقلاليتها وسيادتها، ورفضها للتدخلات الخارجية في شؤونها الداخلية.

موقف أوروبي موحد؟

أظهر رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، الجمعة، أن القادة الأوروبيين لديهم “شكوك جدية” بشأن نطاق عمل “مجلس السلام”، خصوصاً فيما يتعلق بإدارته ومدى توافقه مع ميثاق الأمم المتحدة. هذا الموقف يعكس توجساً واسعاً داخل العواصم الأوروبية من المبادرات الدبلوماسية الأمريكية التي تتم خارج الإطار المتعدد الأطراف التقليدي.

الجدل الدائر حول “مجلس السلام” يطرح تساؤلات حول مستقبل الدبلوماسية الدولية، ودور الولايات المتحدة في حل النزاعات العالمية. هل ستنجح مبادرة ترامب في تحقيق أهدافها، أم ستواجه المزيد من العقبات والرفض من قبل المجتمع الدولي؟ الإجابة على هذا السؤال ستتحدد في الأسابيع والأشهر القادمة. من الواضح أن مستقبل هذا المجلس، وقدرته على التأثير في الساحة الدولية، يعتمد بشكل كبير على قدرة ترامب على معالجة المخاوف التي أثارتها هذه المبادرة، وإعادة بناء الثقة مع الحلفاء. مجلس السلام يظل موضوعاً مثيراً للجدل، ونجاحه أو فشله سيكون له تداعيات كبيرة على النظام العالمي. التحفظات الأوروبية حول مجلس السلام تعكس رغبة في الحفاظ على دور الأمم المتحدة، وتجنب أي مبادرات قد تقوض الاستقرار الدولي. النقاش حول مجلس السلام يبرز أهمية التعاون الدولي والتعددية في مواجهة التحديات العالمية.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version